بقلم الاستاذ : حميد طولست
في مشهد جسّد معاني التضامن الحقيقي والتآزر الإنساني قبل كل شيء، قرّر المغرب، في خضم أزمة غير مسبوقة لانقطاع التيار الكهربائي الذي أصاب معظم المدن الإسبانية والبرتغال بالشلل، أن يُمدّ جيرانه بالطاقة الكهربائية بشكل مؤقت، مساهمًا بذلك في إعادة الحياة تدريجياً إلى مسارها الطبيعي في بلد يحتضن مئات الآلاف من أفراد الجالية المغربية.
لم تكن هذه الخطوة مجرد إجراء تقني أو مساعدة ظرفية، بل كانت رسالة سياسية وأخلاقية عميقة. فقد بادر المغرب، وهو نفسه بلد يواجه تحديات داخلية كباقي الدول، إلى الوقوف إلى جانب جيرانه الأوروبيين، تماماً كما فعل في أزمات سابقة، أبرزها دعمه لإسبانيا أثناء الفيضانات التي اجتاحت مناطق واسعة منها، حيث قدّم مساعدات عاجلة وساهم في جهود الإنقاذ واللوجستيكي.
وإن كان البعض قد سارع إلى انتقاد هذه الخطوة معتبرًا أن المغرب أولى بدعم نفسه، فإن هذا المنطق القصير النظر يغفل البعد الاستراتيجي العميق الذي تنطوي عليه هذه المبادرات. فالعلاقات الدولية لا تُبنى على الانغلاق والأنانية، بل على بناء الجسور وتعزيز الثقة المتبادلة. واليوم، يُظهر المغرب مرة أخرى أنه دولة مسؤولة، تتعامل بندّية مع شركائها، وتقدّم المساعدة حين تُطلب منها، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة مثل إسبانيا، التي تربطها بالمملكة المغربية علاقات تاريخية، سياسية، اقتصادية، وإنسانية راسخة.
هذا التحرك المغربي أكسب المملكة احترامًا كبيرًا لدى الإسبان، ورفع من مكانة الجالية المغربية هناك، التي باتت يُنظر إليها بعين التقدير، لا كجالية مهاجرة فحسب، بل كسفراء لبلد كريم ومبادر. ويأتي هذا في وقتٍ تعترف فيه إسبانيا رسميًا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، ما يضفي بُعدًا إضافيًا من التناغم السياسي والاستراتيجي بين البلدين.
إن المغرب، بمثل هذه الخطوات، لا يدعم فقط أمن الطاقة لدى جيرانه، بل يعزز صورته كدولة ذات وزن إقليمي، تتحرك برؤية شمولية وتوازن دقيق بين مصالحها الوطنية والتزاماتها الإقليمية والدولية. وقد أثبت أن الشراكة بين الضفتين ليست مجرد تبادل مصالح، بل هي أيضًا قيم مشتركة، ومواقف إنسانية وقت الشدائد.
طولست حميد .