حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في زمنٍ ما، كان الانتماء الحزبي موقفًا ، ثم صار قناعة ، ثم تحوّل إلى بطاقة تعريف مؤقتة ، واليوم، في الميركاتو الانتخابي المغربي، أصبح مجرد قميص يُغيَّر في غرفة الملابس قبل صافرة الحملة.
نحن لا نتحدث هنا عن حالات معزولة أو زلات بشرية، بل عن رياضة وطنية تُمارَس باحتراف: الترحال الحزبي، ولكن بنكهة “الاستقرار السياسي”.
حالة (أ): المناضل الموسمي
هو ذاك الذي قضى سنوات يشرح لك – بعينين دامعتين – كيف أن حزبه “وُلد من رحم المعاناة”، وكيف أنه “لن يفرّط في المرجعية”،
وكيف أن خصومه “انتهازيون بلا مشروع” ، ثم، في ليلة انتخابية باردة، يستيقظ ضميره على اكتشاف علمي خطير: المرجعية ليست هناك… المرجعية هنا حيث الحظوظ أكبر ، فيُغيّر الحزب، لا لأنه أخطأ في التحليل، بل لأن الكرسي غيّر مكانه.
حالة (ب): الخبير في “قراءة المرحلة”
هذا لا يترحل، لا هو فقط يقرأ المرحلة.
بالأمس كان في حزب “اجتماعي” واليوم في حزب “ليبرالي” وغدًا، إن اقتضت المرحلة، سيصبح بيئيًا وهو لا يفرّق بين الزيتون والصنوبر.
خطابه ثابت:“نحن في ظرفية دقيقة” “المصلحة الوطنية تقتضي”“لا وقت للأيديولوجيا”
وبينما الحقيقية: أن لا وقت للمبادئ حين يقترب موعد التزكيات.
حالة (ج): الوطني حسب الطلب
هذا نوع نادر… لكنه منتشر ، وطنيٌّ عندما يكون في المعارضة، وبراغماتي عندما يقترب من السلطة، وصامت حين تُنتهك كل الشعارات التي كان يتغنى بها.
يُغيّر الحزب كما يُغيّر لهجته: ومع هذا يتكلم عن الفقراء، ومع ذاك يتحدث عن الاستثمار، ومع الثالث يكتشف فجأة “العالم القروي و العدالة المجالية “تلك الجملة الجميلة التي تُستعمل فقط في الخطب، ولا تُحمَل في حقائب الانتقال.
أما الأحزاب من جهتها ليست ضحية، بل سماسرة بأسماء محترمة ، وشريكة كاملة الأهلية في هذا الميركاتو، تقول لك في البيانات:“نرفض الترحال” “نؤمن بتخليق الحياة السياسية” ، لكنها في الكواليس:
تفتح الباب الخلفي ، وتُعدّ التزكيات، وتُفاوض على “القيمة الانتخابية” للوافد الجديد
أما البرنامج؟ فلاحقًا.
أما المبادئ؟ فقابلة للتكييف.
الأهم: كم صوتًا يجرّ معه؟
أما المواطن، ذلك الكائن البسيط الذي صدّق يومًا أن صوته فعل سياسي، فهو مجرد متفرج بلا تذكرة في مباراة لم يختر لاعبيها.
والمطلوب منه: أن يثق ، أن يصوّت، أن يبتلع الانتقالات كما هي..ثم يُقال له بعد ذلك: “عزوفك مشكلة وطنية”.
الخلاصة (بلا مجاملة)
في الميركاتو الانتخابي المغربي:
الأحزاب تتاجر في الأسماء ، والأسماء تتاجر في الانتماء ، والوطن خارج لائحة الانتقالات..
أما التحديات الكبرى: العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية والتأهيل الترابي ،ن فمؤجلة إلى ما بعد حسم نتائج المباراة.
إن موسم انتقالات لا يُنتج تنمية،بل يُنتج نوابًا بقمصان جديدة وعقلية قديمة تطبق قاعدة: أنا أولًا ثم الوطن “إلا شاط شي”.