حطاب الساعيد
لطالما شكلت قضية الصحراء المغربية محورا استراتيجيا في السياسة الخارجية للمملكة، حيث خاض المغرب معارك دبلوماسية طويلة لترسيخ سيادته على هذه المنطقة. وبينما انشغل الرأي العام بالتحركات الرسمية، غابت عن الأنظار قوة ناعمة لعبت دورا حاسما في هذا الملف: الجالية اليهودية المغربية، التي أثبتت أن الانتماء للوطن لا تحده الجغرافيا، بل يتجذر في الوجدان والولاء.
اليهود المغاربة المنتشرون في إسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا وكندا وعدد من الدول الإفريقية، لم يتخلوا يوما عن ارتباطهم التاريخي بالمغرب. هذا الارتباط لم يكن عاطفيا فقط، بل ترجم إلى نفوذ سياسي واقتصادي وثقافي، استثمر في خدمة القضايا الوطنية، وعلى رأسها قضية الصحراء. في إسرائيل وبعد توقيع اتفاقيات أبراهام تحركت شخصيات يهودية مغربية ذات وزن سياسي واقتصادي لدفع الحكومة نحو الاعتراف بمغربية الصحراء، وهو ما تحقق رسميا في يوليو 2023. ومن أبرز هذه الشخصيات، المستشار الملكي أندري أزولاي، الذي لطالما لعب دورا محوريا في تعزيز العلاقات المغربية اليهودية، وساهم في بناء جسور الثقة مع النخب الإسرائيلية. كذلك برز سيمون سكيرا رئيس جمعية الصداقة المغربية الإسرائيلية، الذي دافع علنا عن مغربية الصحراء في المحافل الدولية، معتبرا أن دعم إسرائيل للوحدة الترابية للمغرب هو تتويج لعقود من العلاقات الثقافية والوجدانية.
في الولايات المتحدة لعبت الجالية اليهودية المغربية دورا مشابها، حيث مارست ضغوطا على صناع القرار في الكونغرس والإدارة الأمريكية، خاصة في عهد الرئيس ترامب، ما أدى إلى الاعتراف التاريخي بسيادة المغرب على الصحراء في ديسمبر 2020. هذا التحول في الموقف الأمريكي لم يكن فقط نتيجة التحالفات الرسمية، بل جاء مدعوما بشبكات تأثير يهودية مغربية في نيويورك وواشنطن، استخدمت علاقاتها ومكانتها للدفاع عن وحدة المغرب الترابية. من بين الأسماء البارزة، “جاك بنزاكين” رجل الأعمال المغربي الأمريكي، الذي ساهم في تنظيم لقاءات بين مسؤولين مغاربة ونواب أمريكيين، بهدف شرح أبعاد قضية الصحراء.
أما في إفريقيا فقد ساهم اليهود المغاربة في بناء جسور اقتصادية وثقافية مع عدد من الدول، خاصة في غرب ووسط القارة، مما ساعد على تغيير مواقف هذه الدول تجاه قضية الصحراء. المغرب بدوره عزز هذه العلاقات عبر مشاريع تنموية واستثمارات استراتيجية، لكن التأثير الشعبي والسياسي كان مدعوما أيضا من خلال شبكات يهودية مغربية ذات نفوذ اقتصادي في القارة، ساهمت في ترسيخ صورة المغرب كحليف موثوق.
في أوروبا وخاصة فرنسا وإسبانيا، شهدت المواقف تحولا ملحوظا لصالح المغرب بعد سنوات من التردد. هذا التحول جاء نتيجة ضغوط دبلوماسية واقتصادية، لكن لا يمكن إغفال دور الجالية اليهودية المغربية في فرنسا التي استخدمت نفوذها في الإعلام والسياسة للتأثير على الرأي العام وصناع القرار. منظمات مثل الاتحاد الفرنسي لليهودية المغربية كانت حاضرة في النقاشات السياسية، مدافعة عن مغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب. ومن بين الشخصيات المؤثرة، روجيه بن عمو الصحفي والناشط الفرنسي المغربي الذي كتب مقالات رأي مؤثرة في الصحافة الفرنسية دعما للموقف المغربي.
كل هذه التحركات أثمرت عن توقيع اتفاقيات استراتيجية بين المغرب وهذه الدول في مجالات متعددة، من الدفاع والأمن السيبراني إلى الطاقة والابتكار. هذه الاتفاقيات لم تكن لتتحقق لولا تغير المواقف السياسية، الذي ساهم فيه الضغط غير المباشر للجالية اليهودية المغربية التي أثبتت أن الولاء للوطن يمكن أن يترجم إلى نفوذ دبلوماسي واقتصادي يغير موازين القوى.
ويكفي أن نختم بهذا التصريح البليغ الذي أدلى به جلالة الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله في لقاء صحفي فرنسي، حين قال:
“أعتز بوفاء اليهود المغاربة لبلدهم، فهم لم يخونوا عهدهم، ولا تخلوا عن حبهم للمغرب.”