حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
يبدو أن بعض الناس لا يحتفلون بالسنة الأمازيغية لأنها “بدعة”، بل لأن ذاكرتهم أصيبت بحساسية مزمنة من كل ما لا يأتي مختوماً من المشرق، وممهوراً بفتوى شيوخه، ومُعطّراً برائحة الخيام الأولى.
أحمد ويحمان، الذي اكتشف فجأة أنه حارس الذاكرة المغربية من “الاستعمار المعرفي”، قرر أن يخوض معركة كونية ضد التقويم… نعم، ضد التقويم، ذلك الوحش الصهيوني المتخفي في رقم 2976.
حسب هذا المنطق العبقري، فالمغاربة عاشوا آلاف السنين بلا زمن، يزرعون بلا مواسم، ويحصدون بلا ذاكرة، إلى أن جاء “التأمزغ المتصهين” – يا للفظاعة – واخترع لهم سنة فلاحية كانوا يعيشونها يومياً دون أن يعلموا أنهم يعيشونها!
أما شيشناق، فقد تحوّل في هذا الخطاب إلى فرعون متنكر، تسلل من كتب التاريخ ليحتل القرى الأمازيغية ويزرع فيها التقويم بدل القمح. لا يهم أن الرجل مذكور في مصادر تاريخية متعددة، ولا أن رمزيته استُعملت منذ عقود في الأدبيات الأمازيغية بوصفها مرجعاً زمنياً رمزياً لا أكثر؛ المهم أنه “يشبه” الفراعنة، وكل ما يشبه الفراعنة مؤامرة، وكل مؤامرة صهيونية، وكل صهيونية أمازيغية، وكل أمازيغية خطر وجودي.
منطق دائري… لكنه يدور بسرعة مذهلة ويبلغ الخطاب ذروته حين تُستدعى إسرائيل، وكردستان، والنوبة، وتامازغا، في كوكتيل جيوسياسي لا يجمعه سوى شيء واحد: الخوف المرضي من الأمازيغية حين تخرج من عباءة “الفولكلور المسموح” فتصبح فجأة ، اللغة، والاحتفال، والذاكرة، ومشاريع استيطان!
والسؤال الذي لا يُطرح: لماذا لا تُرى الصهيونية إلا عندما تتكلم الأمازيغية؟ ولماذا لا تزعج أحداً حين تتكلم العربية بلهجة المخابرات؟
أما قمة الكوميديا السوداء، فهي الاستشهاد بباحثين غربيين لتفنيد “الاستعمار المعرفي”، وكأننا نحارب الهيمنة الفكرية… بأدواتها، ونرفض “اختراع الهوية”… عبر اختراع فزاعة كونية اسمها “التأمزغ المتصهين”.
وهنا لا نكون أمام دفاع عن الذاكرة، بل أمام هلع أيديولوجي من هوية مغربية لا تحتاج وسطاء، ولا إذناً من أحد، لا من تل أبيب، ولا من بغداد، ولا من فقهاء التلفزيون ، ولا من ويحمان.
السنة الأمازيغية، يا سادة، لا تُقصي أحداً، ولا تُعلن دولة، ولا تُنصّب فرعوناً، ولا تستدعي حاخاماً ، هي ببساطة: احتفال بذاكرة فلاحية مغربية ضاربة في الأرض ، ومن يرى فيها مؤامرة كونية، فالمشكل ليس في التقويم… بل في النظارات.
الخلاصة؟
حين يصبح الاحتفال بالذاكرة المحلية “استيطاناً”، ويصبح الإنكار فضيلة، ويصبح الخوف من الذات بطولة فكرية، فاعلم أننا لا نعيش استعماراً معرفياً… بل نوبة ذعر من المرآة.