بصمات أخلاقية بشرية تتكلم بصمت !

حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي

مقدمة :

الأخلاق ليست اختراعًا دينيًا، بل شرطٌ إنساني لقيام المجتمع، الدين جاء فوجدها قائمة فأعاد تأطيرها بلغة السماء! والقيم الأساسية مثل الصدق، وتحريم القتل داخل الجماعة، واحترام العهود، سبقت الأديان التوحيدية بزمن طويل، وكانت موجودة في المجتمعات الزراعية الأولى..
في هذا الكون الواسع لا يعيش البشر بالطريقة نفسها، ولا يتركون الأثر نفسه ، إذ لكل إنسان بصمته الخاصة التي تميزه عن غيره ، فهناك من يترك بصمته من خلال طيبته، وهناك من تُعرف بصمته بصدق مشاعره ونبل إحساسه بالآخرين،و بعض الناس تبقى صورتهم في الذاكرة بسبب عفويتهم الصادقة، وآخرون يخلّدهم العقل والحكمة والقدرة على التبصر في شؤون الحياة.
لكن، وسط كل هذه البصمات المختلفة، تبقى الأخلاق هي الجامع الأكبر بينها، الأخلاق التي ليست مجرد سلوك عابر، بل هي الروح التي ترتقي بالإنسان ليصبح جميلاً ليس بملامحه، بل بالروحه، والرحمة التي تنبع من قلبه، وقدرته على الرفق بالآخرين ومساعدتهم دون انتظار مقابل.
ولهذا قيل: “كلما كان القلب أنقى كان الفعل أرقى.”
هذه الحكمة تتجسد أحياناً في مواقف بسيطة، لكنها تحمل في عمقها معنى إنسانياً عظيماً، كالذي تجسده القصة التالية:
في أحد الأيام، وبعد انتهاء الدوام المدرسي، غادر التلاميذ فصولهم وعاد كل واحد منهم إلى بيته. شيئاً فشيئاً خلت المدرسة من ضجيج الأطفال، وساد الصمت في أروقتها. غير أن طفلة صغيرة بقيت جالسة وحدها، تحمل حقيبتها وتنتظر أن يأتي أحد من عائلتها ليصطحبها إلى المنزل.
مرت الدقائق، ولم يأت أحد.
لم يكن هناك معلم، ولا زميل، ولا أحد من أهلها في المكان، كانت وحدها في ساحة المدرسة الهادئة، يحيط بها الصمت والفراغ.
في تلك اللحظة مرّ ضابط شرطة بالقرب من المكان ، كان بإمكانه أن يواصل طريقه ببساطة، فالمشهد لا يخصه في شيء ،لكنه توقف ، لم يطرح عليها أسئلة كثيرة، ولم يربكها بالكلام، اكتفى فقط بأن يجلس بالقرب منها، وجوده الصامت بجانبها كان كافياً ليمنحها شعوراً بالأمان.
قد تبدو هذه اللحظة عادية في نظر البعض، لكنها في حقيقتها تحمل معنى عميقاً ، ففي زمن تنتشر فيه الأخبار السلبية بسرعة، وتتصدر فيه صور العنف واللامبالاة المشهد، تظل مثل هذه المواقف البسيطة دليلاً على أن الخير ما زال حاضراً بين الناس.
البطولة ليست دائماً في القوة أو الشهرة، ولا في الأضواء ولا في التصفيق ، أحياناً تكون البطولة في قلبٍ يختار أن يهتم، وفي إنسان يقرر أن يقف إلى جانب شخص آخر في لحظة ضعف أو خوف.
بعد مدة من الزمن، وصل أحد أفراد عائلة الطفلة ليصطحبها إلى المنزل، وانتهت القصة كما بدأت: بهدوء.
لكن أثرها لم ينته ، لأن مثل هذه اللحظات الصغيرة هي التي تذكّرنا بأن الإنسانية ما زالت حية، وأن الرحمة ما زالت تجد طريقها إلى القلوب ، فتحية لكل من يقف بصمت ليحمي الآخرين، ولكل من يثبت كل يوم أن الإنسانية لا تزال بخير.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *