بقلم الاستاذ : حميد طولست
المفارقة التي يعرضها النص تنبع من صدمة واقعية: كيف يُظهر من ننعَتهم بـ”الكفار” من الغربيين – الإسبان في هذه الحالة – سلوكيات أقرب إلى روح القرآن وأبعد ما تكون عن مظاهر النفاق والظلم المنتشرة في مجتمعاتنا، بينما نحن غارقون في التدين الشكلي الذي يكتفي بترديد الشعائر وإعادة إنتاج طقوس جماعية لا أثر لها في السلوك اليومي؟
الوضع الذي عايشته هنا في مجتمعات الضفة المقابلة لموطني “المغرب” – إسبانيا على سبيل المثال -يضع يده على جرحٍ عميق ، في كنه التدين في مجتمعاتنا القائم على الكمّ لا الكيف ، حيث عشرات الألاف من الفقهاء، ومئات القنوات التي لا تنقطع عن الوعظ، والمساجد المكتظة بالمصلين، لكن أثرها في السلوك المدني والاجتماعي يكاد يكون منعدمًا و يظل الدين حبيس الطقس لا منطلقًا للتزكية والإحسان.
قفي خلط فاح بين الشعائر والنجاة”الدخول للجنة” لم يربط الفرآن بين دخولها بصلاة العيد ولا بصيام العشر، وإنما بالعمل الصالح والإحسان والتقوى. وغيرها من الشعائر التي ليست سوى رموز انتماء (كـ”البلوزة البيضاء” التي لا تعني بالضرورة تحقق مهنة الطب.
حيث يبقى تعريف الإحسان والتقوى: كما في القرآن:الإحسان = عطاء في كل الظروف، كظم الغيظ، العفو عن الناس، ونبذ الانتقام.
التقوى = اجتناب المحرمات الأربعة عشر الواردة في كتاب الله.
وليس في المبالغة في النوافل والطقوس، بل في مواجهة الجوع، تحرير الإنسان من الفقر أو الظلم، إطعام اليتيم والمسكين، وبث الرحمة في المجتمع. والذي لم يحدد النص القرآني هوية دينية لليتيم أو المسكين؛ فالامتحان إنساني شامل.الأمر الذي يطرح انقلابًا في زاوية النظر: دخول الجنة لا يُقاس بكمّ الشعائر، بل بصدق الإيمان الممزوج بالعمل الصالح والرحمة. وهنا تبرز المفارقة الكبرى: الغربي “الكافر” الذي يحترم القانون، لا يظلم أحدًا، يلتزم بعمله، يعف عن أذى الناس، قد يكون أقرب إلى “العمل الصالح “الذي نعته الله بالعقبة، من المسلم الغارق في مظاهر التدين وهو غارق في أكل الحقوق والرشوة والاحتكار والنفاق.
الأمر الذي يفتح بابًا للنقاش حول طبيعة التدين في مجتمعاتنا:
وكيف صار الدين مجرد لافتة تعلق على الجدران، فيما السلوك العام من فساد، ظلم، وغش يتناقض مع جوهر الدين؟
كيف غاب مفهوم “الرحمة الشاملة” التي دعا إليها القرآن، ليحل محلها تضييق متعصب يجعل من الجنة ناديًا مغلقًا على المسلمين فقط، رغم أن النصوص القرآنية جعلت العقبة امتحانًا إنسانيًا عامًا؟
كيف فشل الوعظ والخطاب الفقهي في تحويل التدين من مظهر إلى جوهر؟
النقاش الذي يضع المسلم أمام مرآة قاسية: أن كثيرًا من الذين يظن أنهم “أهل النار” قد يكونون عمليًا أقرب إلى أبواب الجنة منه. وأن الخطر الحقيقي على المسلم ليس “الكافر”، بل تدينه الشكلي الذي يمنحه وهم النجاة بينما يرسّخ سلوكات تناقض العقبة: ظلم النساء في الميراث، الرشوة، شهادة الزور، النفاق، التطفيف…
خلاصة مكتوبي هذا ليس مجرد تأمل ديني، بل نقد اجتماعي وفكري مزدوج ، وصرخة تذكير بأن ااقتحام العقبة الحقيقية ليست في عدد الركعات، بل في إنسانية السلوك. وأن الجنة – في منطق القرآن – لا تُمنح بالهوية الدينية وحدها، بل بصدق الإيمان والعمل الصالح الذي لا يعرف حدودًا قومية أو دينية.جعلنا واياكم من اهلها .