بين النوايا المعلنة والممارسة الغائبة.

بقلم الاستاذ : حميد طولست

كلي يقين من أن الكثيرين ستغضبون من صراحة قراءتي النقدية للمذكرة التي وجهها أحد الأحزاب العريقة مؤخرًا إلى وزارة الداخلية حول مشاركة الأشخاص في وضعية إعاقة والتي يقترح فيها جملة من التدابير “المبتكرة” لفتح أبواب السياسة أمام الأشخاص في وضعية إعاقة، تمثيلاً وتصويتًا وترشيحًا ، المذكرة تصف نفسها بأنها خطوة لكسر جدار التهميش الذي لازم هذه الفئة لعقود، وتضع تصورات فضفاضة من قبيل:
إحداث فصل خاص في القانون التنظيمي للانتخابات يكرس حق ذوي الإعاقة في الترشح والتمثيل.
تمكينهم من الاستعانة بمرافق من اختيارهم عند التصويت لضمان حرية الاقتراع وسريته.
تجهيز مكاتب التصويت بالولوجيات الضرورية.
تشجيع الأحزاب على ترشيحهم في مواقع متقدمة، عبر ربط الدعم العمومي بمدى التزامها بذلك.
لاشك أن الخطاب جميل جدا ولا يقل جمالا عن خطاب الزيادة في عدد البرلمانيين للحد من تهميش فئة الشباب والنساء … لكنه من حيث المبدأ، لا يختلف اثنان على أن إشراك ذوي الإعاقة في العمل السياسي هو استحقاق دستوري وأخلاقي، وليس صدقة أو منحة ظرفية. لكن السؤال الجوهري هو: هل تعكس هذه المذكرة إرادة سياسية صادقة أم مجرد ورقة دعائية تُلحق بسجل المبادرات الورقية التي تفتقد إلى آليات التنفيذ والالتزام؟
أولاً: ما ورد في المذكرة يبدو وكأنه اكتشاف جديد، بينما الدستور المغربي لسنة 2011 نصّ بوضوح على مبدأ تكافؤ الفرص وعدم التمييز، وأكد على حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة. المشكلة لم تكن يومًا في النصوص، بل في غياب الإرادة لترجمتها إلى واقع. فهل كان الحزب صاحب الاقتراح المعجزة بحاجة إلى عشر سنوات كي “يكتشف” أن البرلمان يجب أن يعكس كل فئات المجتمع؟
ثانياً: ربط الدعم العمومي بترشيح الأشخاص في وضعية إعاقة يبدو جميلاً على الورق، لكنه يثير سؤالاً حول المصداقية: هل يملك الحزب ومن معه الشجاعة لفرض هذا الشرط على أنفسهم أولاً؟ أم أن الأمر سيبقى في حدود التنصيص القانوني الفضفاض الذي لا يُطبّق؟
ثم ماذا عن آليات اختيار المرشحين داخل الأحزاب نفسها؟ ألا تُدار في الغالب بمنطق الولاءات والزبونية و”أصحاب الشكارة” بدل الكفاءة؟ كيف نصدق أن منطق الإقصاء الداخلي سيتحول فجأة إلى انفتاح حقيقي على ذوي الكفاءات من ذوي الإعاقة؟
ثالثاً: إدراج “تهيئة مكاتب التصويت” يبدو وكأنه بند تقني براق أكثر منه إجراءً سياسياً عميقاً. فالولوجيات ليست مطلبًا انتخابيًا فحسب، بل حق يومي مغيّب في المؤسسات العمومية والشوارع ووسائل النقل. فهل يعقل أن حزبًا ظل لسنوات في قلب الحكومات يطالب اليوم فقط بتجهيز مكاتب التصويت وكأنها المدخل الوحيد لكرامة المواطن في وضعية إعاقة؟
رابعاً: تطرح المذكرة نفسها كثورة فكرية، لكنها في العمق لا تتجاوز “مبادرات تقنية” يمكن تمريرها في أي نص قانوني، دون أن تغيّر شيئًا من واقع الإقصاء البنيوي. العدالة السياسية لذوي الإعاقة لا تختصر في باب قانوني جديد، بل في تغيير حقيقي لثقافة الأحزاب: من منطق الإقصاء إلى منطق المشاركة، من احتكار التمثيل إلى فتح المجال أمام الكفاءات، ومن “الريع الانتخابي” إلى المواطنة الكاملة.
فمن الطبيعي أن يكون من حق الأشخاص في وضعية إعاقة أن يكونوا جزءًا طبيعيًا من المشهد السياسي، لكن ذلك لن يتحقق عبر نصوص فضفاضة تكتبها الأحزاب ثم تنساها. إن التحدي الحقيقي هو كسر جدار النفاق السياسي قبل جدار التهميش. فالمستقبل لا يُبنى بالخطابات ولا بالمنح الظرفية، بل بالمشاركة الفعلية التي تجعل البرلمان مرآة صافية لكل فئات الشعب، بعيدًا عن منطق “الصدقات السياسية” و”أصحاب الشكارة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *