تأبين القاضي فرانك كابريو

حميد طولست 

بمناسبة رحيل القاضي الأمريكي فرانك كابريو، عن عمر 88 عامًا، بعد معركة طويلة مع سرطان البنكرياس. قررت تأبين القاضي الأمريكي ، الذي برحيله، لم تفقد رود آيلاند قاضيًا محبوبًا فحسب، بل فقد العالم نموذجًا نادرًا: قاضيًا علّم العالم أن العدالة يمكن أن تكون قلبًا نابضًا بالرحمة، لا مجرد نصوص باردة ، قاضضيا جعل من قاعة المحكمة فضاءً إنسانيًا بامتياز، بدل القسوة والرعب ، حيث يجلس القانون جنبًا إلى جنب مع الرحمة.
في برنامجه الشهير “Caught in Providence”، الذي تابعته الملايين عبر يوتيوب، لم يكن كابريو يستعرض سلطته، بل كان يواجه القانون بروح الأب والجد. حين يقف أمامه فقير لم يستطع دفع غرامة التوقف غير القانوني، كان يترك له المجال ليشرح ظروفه، وغالبًا ما يعفيه أو يخفف العقوبة. وحين يمثل مريض أو مهاجر مرتبك أمامه، كان القانون يتسع ليشمل ابتسامة، ونصيحة، وأحيانًا عناقًا.
.هذا المشهد الآتي من محكمة أمريكية في ولاية صغيرة يطرح سؤالًا مرًا: لماذا نفتقد هذه الروح في كثير من المحاكم بالبلاد الإسلامية، التي يُفترض أن تكون العدالة والرحمة جوهر رسالتها؟
حيث يعاقب في محاكمنا، البائع المتجول بغرامة قاسية لأنه سدّ الطريق بعربة خشبية، بينما ينجو رجل الأعمال المتنفذ من المحاسبة على ملايين مهدورة من المال العام. ويُترك السجين البسيط شهورًا، بل أحيانًا سنوات، في السجن الاحتياطي في انتظار محاكمة متعثرة، بينما تُطوى ملفات كبار الفاسدين بطرق ملتوية. ويُضطر المواطن لدفع رشوة صغيرة حتى يحصل على حقه الإداري المشروع، بينما ينال أصحاب النفوذ أحكامًا مُفصَّلة على مقاسهم.
اللافت أن فرانك كابريو لم يستند إلى نصوص قرآنية أو أحاديث نبوية، بل إلى إنسانيته وقناعته بأن العدالة بلا رحمة ظلم. والمفارقة أن ممارساته كانت أقرب إلى مقاصد الشريعة الإسلامية التي وضعت الرحمة ورفع الحرج في قلب التشريع.
كابريو أثبت أن العدالة لا تحتاج إلى لافتة “إسلامية” كي تكون عادلة، بل تحتاج إلى ضمير حيّ وقاضٍ لا يخلع إنسانيته وهو يرتدي بذلته السوداء.
رحم الله فرانك كابريو. لقد ترك للعالم درسًا أخلاقيًا قبل أن يكون قانونيًا: أن القاضي العادل ليس من يحفظ نص القانون عن ظهر قلب، بل من يضع نفسه مكان الضعيف قبل أن يُصدر الحكم. أما نحن، ففي ديار تُرفع فيها شعارات “العدل أساس الحكم”، ما زلنا بحاجة لأن نتعلم من قاضٍ أمريكي كيف تُصان كرامة الإنسان في قاعة محكمة ، لا تكفيها النصوص، بل تحتاج قلبًا يقرأ وجوه الناس قبل أن يقرأ ملفاتهم. كما في الدرس الذي جاءنا من قاضٍ غربي علماني، والذي هو جوهره صدى لرسالة الاسلام العالمية والتي نحن أولى بتجسيدها في محاكمنا.
حميد طولست.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *