بقلم الاستاذ : حميد طولست
في الوقت الذي يغرق المغاربة في نقاس ما أثاره مول السردين من جدل حولا ثمن السردين ، تعيس الأوساط الدينية والفنية والشعبية المصرية جدلا صاخبا سببه تجسيد شخصية الصحابي معاوية بن أبي سفيان في أحد المسلسلات الرمضانية ، وتدخل الأزهر الشريف بتحريم ذاك التجسيد بدعوى أن الصحابة لا يجوز تمثيلهم لأنهم “كاملون”، بينما الممثلون “ناقصون”. الموقف الذي أثار تساؤلات عدة حول الأساس الشرعي لهذا التحريم وما إذا كان يستند إلى نصوص دينية قطعية أم هو مجرد اجتهاد فقهي خاضع لنقاش يغيب عنه الدليل الشرعي القطعي الذي يحرم في القرآن الكريم والسنة النبوية،تجسيد الصحابة أو حتى الأنبياء في الأعمال الفنية. ولذلك، فإن تحريم الأزهر لهذا الأمر يعتمد على اجتهاد فقهي وليس على نص شرعي قطعي. ما يفتح الباب للنقاش حول معصومية الصحابة ومدى إلزامية هذا التحريم المرتكز على فكرة أن الصحابة “كاملون”، وبالتالي لا يجوز تمثيلهم لأن الممثلين “ناقصون”. غير أن هذه الفكرة تتناقض مع المعتقد الإسلامي القائل بأن الكمال لله وحده، وأن الصحابة بشر مثل غيرهم، يخطئون ويصيبون، وقد اختلفت سيرهم وأفعالهم، وكان بينهم الصالح والمجتهد والمخطئ. فإذا كان معيار التحريم هو نقص البشر، فبالتالي يجب أيضًا رفض كتب السيرة والتاريخ التي يكتبها بشر غير معصومين، وهو قياس غير منطقي. لاعتماده ازدواجية المعايير واضحة بين النص والصورة وتناقض بين بين القبول بالنصوص التي تروي سير الصحابة وبين رفض الصورة البصرية التي تقدمها الدراما. فالتاريخ الإسلامي مليء بالروايات المكتوبة عن الصحابة، فلماذا يُرفض عرضها بصريًا رغم أن الصورة قد تكون أكثر تأثيرًا في نقل الرسالة وتعزيز الفهم لدى المشاهدين؟ إن رفض التجسيد لمجرد كونه مرئيًا وليس مكتوبًا يبدو نوعًا من ازدواجية المعايير. ورغم أن تجسيد الصحابة في حد ذاته لا يمكن اعتباره محرمًا شرعًا بشكل قطعي، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في نوعية الأعمال المقدمة والطريقة التي يُجسَّد بها الصحابة. فالمسلسلات التي تقدم رؤى طائفية، سواء سنية أو شيعية، غالبًا ما تؤدي إلى إثارة الفتن والنزاعات بين المسلمين. لذا، فإن الاعتراض يجب أن يكون على المسلسلات التي تُستغل لإذكاء الصراعات المذهبية وليس على مبدأ التجسيد نفسه ، فإن قضية تجسيد الصحابة ليست مسألة حلال أو حرام مطلق، بل هي خاضعة للاجتهاد والنقاش وفقًا للظروف والاعتبارات المجتمعية. وفي ظل غياب الدليل الشرعي القطعي على تحريمه، يصبح من الأجدر التركيز على محتوى الأعمال الفنية ومدى تأثيرها على وحدة المسلمين بدلاً من رفضها بشكل قاطع. فالإعلام، إذا استُخدم بحكمة، يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتعريف الأجيال الجديدة بسيرة الصحابة بطريقة مؤثرة وإيجابية، بعيدًا عن الفتنة والخلافات الطائفية.