تحليل مسرحية “نشرب إذن” بين الذاكرة والقراءة العاشقة المضمرة

إنجاز: د الغزيوي أبو علي

دة بن المداني ليلة

يراهن هذا العنوان على تتبع التطور الذي عرفه المسرح التجريبي المعاصر حيث لا يتغيأ منه مجرد عرض تصورات مفكريه ونقاده ودارسيه بل البحث في صيرورة المصطلح عبر قراءة تأويلية وناقدة وصولا إلى تقديم تصور واضح بشأن هذا العنوان “نشرب إذن” وعلى الرغم أن البدايات لا تقدم تصورا متكاملا ، فإنها مدخل مهم لبناء تصور شامل على طبيعة المسار الذي اتخذه المسرحي في رحلته الطويلة لصناعة الفرجة، وفي هذا السياق يؤكد المخرج النرويشي أن المسرح هو كل ما يساهم في تنوير الفكري والروحي، وما يثور الوعي والتهذيب الجسدي دون اللجوء إلى القهر والقسر الهامشي، لأن الاختيار هو دعوة إلى إعادة النظر في جغرافية العالم العربي الذي يخالف مقاصده ويناهض الحرية والتقدم والتغيير كما لو أنه ينتمي إلى ثقافة غير مدنسة أو فضاء سام (ريتشارد وولين – مقولات النقد الثقافي – تر محمد عناني – 2016 ص11)، لأن الانتماء إلى الثقافة والزمان والمكان لا يعني أن تصير محددين في الحلم واليقظة وكل ما يصدر عنا من ذكريات، فالمخرج يحرص كل الحرص على أن تكون العلاقة بين الإنسان والواقع علاقة تفاعلية وجدلية، ما يسمح باستقلالية نسبية عند الممثل (فريد – نسرين مراد)، حين يسعى كل واحد أن يعبر في عالم يسوده القهر والهيمنة، إذن إن الصيغة التي يقترحها المخرج النرويشي هي صيغة ثورية من حيث دعوتها إلى مواجهة السلطة المتمثلة في مراد، فنسرين وفريد يريدان أن يعيشا السعادة والحرية، ولكن الماضي يطاردهم دون جعلهم يتفوقون في هذه المفاضلة في جوهرها العميقة التي تغني العقل والروح وتحفز جانبها النقدي، بينما تحصر السعادة في هذه المومياء كمذكرة التأسيس لهذا الولد المفقود، إذن يتضح من كلام فريد ونسرين الذي هو عبارة عن استرجاع لذلك الماضي المغتصب والمؤسس على القمع، لكن ينبغي الانتباه في هذا الاسترجاع الذي أشرت إليه أن الغاية هو جعل الإنسان السيزيفي مدخلا لفهم إخفاقات المجتمع وتفسيرها من جهة، أي أن الإنسان العربي لا يؤشر على تطور في هذا العالم المحاصر، لذا يسائل الممثل عن قيم مجتمعه وسلوكه وهي الرؤية المطبقة على مشروع إنساني، حيث البحث عن عيوب المجتمع ومحاولة كشفه لكي يصحو كما يقول فريد في إحدى حواراته، أو لعله يستطيع أن يوقظه من نومه وكوابيسه المخيفة، هكذا يفهم من هذا الحوار أن الإنسان صار موضوعا لمقاربات ومناهج وعلوم إنسانية واجتماعية هذا من جهة، والعنوان الذي قد يضعنا أمام منظورات دون الاستغراق في الوضوح ومن دون أن يكون مطابقا لها بالضرورة، وغاية هذا العنوان هو بالتحديد محاولة الإضاءة على هذا التطور لمنع هذه الذوات فرصة تحقيق فهم مختلف الأسئلة لإعادة بناء هذا التطور الجيوسياسي والسوسيومعرفي والسوسيونفسي، لأن هذه النفس الداخلية أصبحت وسيلة للمراقبة والتتبع وحادت عن مقاصد التنويم لمصلحة العبودية الممتعة، فالحرية المزيفة جعلت الممثلين يلوكون أطراف الذكريات ويستشرفون نحو أفاق مجهول، لا يعرفون إلا إنتاج الزيف والصمت بشكل ساخر كما يرى مالبرنش، فالمخرج النرويشي يتحدث عن الفكر الوجود الممسرح بواسطة أجساد صامتة تئن تحت وطأة الحصار لا تريد غير السعادة والطمأنينة، ولكنهم حملوا مشروعا مضاد الهيمنة المؤسسة، مما يؤدي إلى تنميط الممارسة النقدية وطبعها بدمعة صارخة تعمد إلى تقزيم الحضور الوجودي، فالتركيز على البعد الوجودي باعتباره موضوع اشتغال الجسد ومحور صناعة الإنسان المنمط ذو البعد الواحد كما يقول ماركوز، إنها صيحة لا واعية تشمل المدون والمؤسلب ومختلف التجسيدات الذاتية والرمزية وهو ما سيترسخ لاحقا في الأنظمة الأوليغارشية، لأن التأكيد والتنميط يتخذ منحى وجوديا عبر التسلية التي تشكل عبودية التي تغلف العنف الرمزي بالمتعة، وتجعل هذا الجسد الدرامي الممسرح عبارة عن تحرر من الثقل الإيديولوجي ومن الوعي الجمالي المهيمن، فالمخرج النرويشي في اختياراته للنصوص جعلنا نقدم خريطة درامية لكل الوسائل التي يمكن عبرها استكشاف طبيعة صراع الإنسان بين الداخل والخارج وبين الثبات والمتحرك، فهذه الثنائية الميتافيزيقيا جعلت المسرحية تعيد قراءة الماضي بلغة الصمت ما دامت تستثمر المتعة المستعذبة التي تستعبد الناس، ونحن وقفنا مليا على الطريقة التي يستطيع بها المخرج تعطيل الوعي النافذ عبر إغراق الجسد في تتبع التفصيلات الرمزية، فالممثل فريد، يحاول أن يشتبك مع الحياة المعيشة، فهو محاولة للتفكير في التجارب اليومية التي تتطلب منه الاسترجاع والاستباق في الحياة المرتبطة بالثقافة السائدة والمحاصرة، يقول الممثل فريد البوزيدي: <<حاول أن تضحك هل تثوى على الضحك، ابتسم مرة مرتين حتى ولو تجاوز المليون، ربما ستبتسم وأنت يا صغيري>>، وانطلاقا من هذا المحكي السردي نرى أن فريد يقربنا إلى هذا التحول الذي يمثل صناعة رمزية حيث تظهر لنا السعادة المفقودة لجعلها مرتبطة عضويا بحياة الكائن ومعيشه اليومي، فالمخرج النرويشي يرى أن التمدن والتضيع الرمزي ليس أقله تكريس القهر الاجتماعي باعتباره أساس السلطة والنخبة، لأن التمسرح هو فن التعرية وتمرد ضد الثبات الانصياعي، لهذا يطل الممثل نسرين تهادن المكتسب عبر الأحلام لكي تنتصر لهذا الحاضر أما فريد يحاول بدوره أن يؤسس عالما غير العالم الذي نعيشه، عالم يكتنفه الغموض والإبهام، وراح يصنع المهادنة بروح غير ديمقراطية التي تتمثل في مفهوم اللغة ودورها الحاسم في التغيير الاجتماعي، فالمخرج يترصد الظواهر الاجتماعية العامة، فإنه بذلك قد اصطدم مع الفاعلين الوجوديين بالنظر لتقاطع اهتمامه جميعا داخل نفس المجال والموضوع، وهو ما ولد نمطا من الصراع والتصادم بين الفكر الدرامي والفاعل السياسي، مما قاد بهذا الأخير إلى تشكيل عائق سوسيولوجي أما النمو المعرفي بالأساس، حيث تكمن أكبر صعوبة تهم الأوصاف الدرامية لمفهوم الدور في التعرف على المعايير التي توجه الممثل على مستوى إدراك محيطه، فالذات تستلزم توافقا بشأن حقوق وواجبات الممثلين الذين يحوزون أوضاعا اجتماعية يقر بقبولها، حيث أن قابلية التغير الاجتماعي المرتبط بالدور الذي يمثله الممثل (فريد)، لأن التواصل بين الذات وبين البينذاتي معرفيا، فالمخرج يقدم أقنوم جديد بتجلياته التي تندرج ضمن انشغاله الدرامي، حيث سيواصل عبر هذا العنوان إلى تأكيد البعد الوجودي، لذا حاول المخرج أن يبدع شخصية التي تواجه السلطة لمعرفة مجموعة من الحقائق الجافة، لأن مطالبة المبدع الفاعل في مواجهة الأفعال الخارجية، لابد أن يكون ذا وعي خاضع للفعل الاجتماعي، فالمخرج والممثلون وكل الطاقم يحاولون أن يجدوا لهذا الوجود بعدا موضوعيا ليكون حقيقة محسوسة وليست مجردة، فهذه القرابة بين البعد الجمالي والحقيقة تؤدي إلى اعتبار أن هذا الجسد الدرامي عبارة عن قواعد تداولية لا تقدس السذاجة، بل تعتمد النقد الذي ينزع إلى الثورة والتمرد، لأن فريد البوزيدي يوغل في خيال مجتمع لكي يخترق المألوف وأقطاب العالم المحسوس لكي يقربنا من هذا الحصار الوجودي، ومن هذا الحنين للاختفاء من عالم الحقيقة، فالمسرحية لم تكن في وضع تسمح لنا بتقبل معطيات الواقع كمذهب مفصل ومقنع بل يعني أنها تشربت أصول التمرد حتى أضحى الواقع وكأنه الوليد المفترض، يترعرع فيه ولا يعرف أين ومتى انوجد وأين سيسير، ولماذا لم يتنسم الحرية فهذه القيود المتأصلة فينا أنجبت رواد الثورة والتحرر ثم التوسع للمناخ الفكري والنفسي العام، حيث اختمرت بذور التفكير التأملي، والبحث عن منافذ جديدة لرياح الحياة، فالممثلون وظفوا اللغة توظيفا مخصوصا يلائم تجاربهم وأحاسيسهم وموقفهم من الواقع والحلم والخيال، لذا نجد تصورهم صنع لهم صور بيانية كأدوات يعبرون بها عن هذا العجز المباشر، لكي تكون الذاكرة مستقلة استقلالا لا نهائيا عن مشاعر الذات، وبذلك أدرك الممثلون أن تجاربهم موصولة بأدوات عملهم ومنها اللغة الاسترجاعية فتشكلت نزعة شعرية متميزة هي وليدة التجربة، لذا تأخذ اللغة الدرامية بعدا استراتيجيا الذي من خلاله نعرف دور الرجل والمرأة والوليد في استحضار الواقع المضمر، والمقموع، لأن عملية الاتصال هي أهم نسق من بين العلامات التي تساعد الممثل على التفكير والتعبير عن الذات، لهذا ركز المخرج عليى المهارة الإخراجية والقدرات المعرفية من أجل تجاوز أنماط النص من أجل التعبير المغاير الذي يعد جزءا هاما في عملية التواصل، لذا فالمخرج النرويشي وطاقمه الفني والدرامي عملوا على نزع البعد النصي من خصوصيته وجعلوه كقوة ضابطة بالقارئ أو المتلقي، ويمكن فهم هذه العملية من خلال التمسرح بوصفه محاولة شرح كيف أن المتلقي هو المصدر للمعنى ولتاريخ الإنسان رغم الانزلاق في الموضوعية من حين لآخر، فالمعتقل والمتحرر يندمجان بطريقة تصبح كينونتهما تحضر لنا في عالم يسوده الفناء والإرهاب والغدر، والقتل والاغتيال، وأمس العقل بسيطا ومنغلقا داخل الإطار كما يرى هيدجر في كتابه “الهوية والاختلاف”، لكن المخرج يخرج هذه الذات من حالة الفناء إلى حالة الخلود، لأن المسرحية هي ارتحال من الكائن إلى الممكن، ومن واجب الوجود إلى ممكن الوجود، لأن الممثلين عبروا الطريق نحو الخلود عن طريق الجدية والاستيهامات الصوفية من أجل الولوج إلى عالم المثل لكي يكون نسقا فكريا ونظريا ينطوي على القوانين التي تسير هذا العالم، لذا ينبغي تدريس موضوعه ومنهجه ونتائجه بواسطة قوانين التي تسير هذا العالم، لذا عمل المخرج بإعادة النظر في المفاهيم والنظريات من التأويلية لأجل إعطائها مضمونا نفسيا جديدا.

فالمسرحية لا ينبغي عزلها عن إطارها التاريخي والوظيفي، بل نقدمها كآلة إنتاج حقائق، وتوليدها التراثي الرمزي، إذن فالإنسان لا يتطابق مع الفناء رغم أنهما ينتميان إلى جذور واحدة، وأن هذا الانتماء لابد من التفكير فيه من أجل تحديد هوية هذا المحتمل والممكن، فهو الروح الأسمى والأجدر لفهم ما هو عضوي وما هو متعالي، لهذا نجد أن التأويلية الدرامية تقاوم وضعانية جون ستيوارت ميل وأيضا أوغست كانط، مطالبة بإدماج المبادئ المنهجية لعلوم الروح بمنهجية خاصة سواء في بعدها السيكولوجي، لأن الظواهر التاريخية يمكن إخضاعها للتفسير وفق نموذج علوم الطبيعة وذلك من منطلق أن الإنسان كائن طبيعي، لذا يمكن أن نجده أيضا كائنا مبدعا ومتلقيا وأخلاقيا وروحانيا، لكن ماكس فيبر يرى أن الظواهر الاجتماعية يمكن وصفها انطلاقا من أفعال وسلوكات الأفراد والجماعات، والاعتماد أيضا على العلاقات البسيطة والمركبة، وهذا ما أكده في كتابه “الاقتصاد والمجتمع” و”الأخلاق وروح الرأسمالية”، فالفردانية لا تتحد في ذاتها، بل لغير ذاتها، لأنها مرتبطة بالتوجه الاجتماعي كما يرى دوركايم، فلا يتبنى المخرج منظور دلتاي، بل يعتمد نموذج الفهم التفسيري الظاهراتي من أجل تحديد النموذج الديني في بناء الروح الرأسمالية الرمزية فيرى أن التأويل لا يقتصر على الروح بل ربطه بالمسار الأنطولوجي من أجل إعادة وضع هذا المفهوم داخل النسيج الوجودي ليجعله نمطا للكينونة، أكثر من جعلها شروطا للمعرفة الوضعية، وهذه الدعوة هي مواجهة العلوم الإنسانية والاجتماعية والدرامية والفنية وكذا دورها المركزي في تشييد فضاءات جغرافية رمزية، باعتبارها موضوعا معرفيا، ونسقا فكريا وسرديا، جعلت بول ريكور أيضا يعيد ما سطره ديلتاي حول الفهم والتفسير، جاعلا إياهما في وضعية دياليكتيكية من أجل دعم التفكير البنيوي الطقسي لمحو الاتجاه الرومانسي والنفسي، وهذا ما يقربنا إلى أراء فوكو ورولان بارت اللذان أعلنا (بموت العبقري)، فهذا الإقصاء للذات الفاعلة، والمبدعة جعلت البنيوية تتعرض لهزات عنيفة من طرف المناهج المعاصرة كالفينومينولوجيا والتأويلية والسيميائية، فهذه المناهج الإبستيمية أعادت قراءة هذه المنظومة البنيوية، طارحة سؤال مهما “هل الشيء يولد من ذاته؟”.

سؤال جوهري وداعم أساسي يقربنا ما قاله هيوم، بأننا لا يمكننا أن نختزل الذات إلا انطلاقا من الوقائع أو السلوكات الصوفية، فهي أبعد من البراهين، لأن الأخلاق في عصرنا هذا مستحيلة ليس بالمفهوم الأنتربولوجي، بل يجب إرجاعها إلى العلوم الإدراكية في مواجهة الحدوس، لأن الضرورة المعاصرة تسمح لنا بإدانة واقع مستحيل، إذن فتشخيص حالة البوح “كنمط” درامي خاص من الخطابات الدرامية يهدف بالأساس إلى تحليل ازدواجية البوح، وبالتالي ازدواجية اللغة، لأن المخرج يضعنا أمام تقابل أساسي بين لغة النص ولغة الإنسان الممسرح، ولفهم هذا التقابل يجب بالضرورة التركيز على الخطاب الدرامي وحدود علاقته مع مجالات ابستيمية أخرى في المسرحية وذلك لتحليل العناصر التي تدعم هذه الاحتمالات، إنه رهان درامي صعب ومتعذر، الشيء الذي جعلنا نكتفي بطرح الإشكالات أكثر من الإجابات عليها، فالمخرج يعي أن الكتابة في مثل هذه التيمات هي مغامرة إبداعية يكون فيها المتخيل والواقع، والفكر والمعرفة الداتية هو العامل المحدد للعملية التجريبية، لأن هذا الانشطار اللغوي الدرامي هو بمثابة أرضية ابستمولوجية للغة الرمزية التي تحتوي على كل العناصر القادرة على الاستمرارية، والتي يحددها داخل التفكير، لأن الإنسان هو الشيطان حسب المفهوم الميتافيزيقي، فالتطابق يبقى إذن غامضا لأن التطابق بين الثابت والمتحول سيضعنا في ترتيب معقد، فالممكن يتوسط كل التأليفات المشروعة، باعتباره ينتمي لهذه الكينونة الصوفية، المزينة بالإشراقات وبالتعدد الثقافي والقيمي، لذا جعلت المخرج يختصر التوليفية بين الثقافي اللامادي والاجتماعي، وبين الحياة واللاحياة وبين الفناء والخلود، كوحدة عضوية متناسقة في حياة الناس، لأنها تشكل دينامية فكرية وتداول شامل للمرجعيات والقناعات التأويلية، ويقول ليفي شتراوس “إن الإنسان فكر دائما على نحو جيد  ونظيف لما قاله بأنه مباشر دائما على نحو جيد أيضا، فحتى وهو في صلب الجمال التراجيدي فإنه أحب دائما الحياة على الموت وانتصر لها”.

فالمخرج حاول أن يعيد الذات والذاكرة، لكي يأخذ الشعر الطقوسي صولته واعترافه ولتكون اللوحة عبارة عن منتوجات وروايات تتضمن عقدا وأزمات كونية، لذا عمد على تصوير هذا المطلب الشعري ليكون حقيقة وإلاها شعريا في مكان غير مكان الإله نفسه (نيتشه).

فالسؤال المطروح: هل ما يزال للمسرح شيء يقوله؟ إن المسرح فلسفة قادرة على إحداث تغيير مباشر للحالة الراهنة للعالم، معلنا إثر ذلك التمسرح أنه تفكير وتجاوز وانفكاك، رغم الذات المعيارية التي لا تزال عاجزة عن اختراق واقتحام حميمية لهذه الذات المستلبة، باعتبارها منطقة تضم اللاواعي المجهول، والمتحكم بطرق ملتوية في هذا الوعي الإدراكي، فالمخرج عبر هذا التأثيث الركحي جعلنا نبصر وهو يحكي بطريقة مزدوجة: المخبوءة والملغزة، لكن لا يختزل الخطاب الشعوري ضمن إطار معين، لذا جعله يخترق حميمية الذات في ماهيتها بلغة دراماتيكية وإيقاعيا وشعبيا بمختلف فواصلها الراهنة ليكون الخطاب هو قراءة تناصية الهوية، والوطن والتراث والتاريخ وتفلسفا للذات حول الذات، تكشفه عملية الوقوف أمام المرآة لتنبثق مفاهيم الاختلاف بين الذوات.

فالمسرحية تقول ما انفلت من الذات خلال مسارها الوجودي، فهي أرضية تستقر ماهيتها الميتافيزيقيا عليها، باعتبارها تتضمن المتواري والمختفي والمنفلت، كفكر الذي ينعكس على نفسه، فالممثلون يعكسون هذا الفكر المحجب عبر حركات وحوارات بهدف التعرية والكشف عن الوجود الممكن وعن الذات المغتصبة.

إن هذه الذوات الممسرحة أمام الجمهور تعلن عن هذا الوجود والقيم والهوية كانعكاس لا متناهي، على اعتبار أن المسرحية هي تأويل للخطاب المؤول مقابل الهوية كأصالة وهذا ما قاله الشاعر الفرنسي نوفاليس “من دون فلسفة الشاعر ناقص”.

وبالنظر إلى الممثلين أمام العالم المرأوي يتبادر إلى ذهني انعكاس هذا الميتاجسد الذي يضع أمامنا إجابات حاسمة، لماذا أمسرح ذاتي؟ وما المقصدية؟ وكيف أكون أنا هو الآخر؟ وهل أنفر من ذاتي؟ وكيف أمتلك هذا التراث قبل أن يملكني؟ وهل المسرح هو تعرية لسيكولوجيا التطور الإنساني؟ وهل هذا التمسرح هو حالة نفسية مرضية؟ أم الغرض من هذا المسرح هو الحفاظ على البقاء وحماية الذات من الطبيعة؟ وما موقف السلطة من هذه الشخصيات؟ وهل المخرج استطاع أن ينزل المثقف من برجه العاجي؟ وهل هو مثقفا عضويا أم ساحرا دراميا؟

أسئلة كثيرة ومغايرة لا تثير النفور، بقدر ما تقربنا إلى واقعنا العربي الذي يهرب من احتمالية الاختلاف الإبداعي، بقدر ما ينبغي أن يتحول المسرح وغيره من العلوم الإنسانية من مفهوم ثقافي تطوري إلى سلاح اجتماعي، بل يعتبره جون فرونسوا دورتيه بطغيان الجمال الغير المؤسساتي.

فالمخرج يسافر بنا لنعيش الجمال الجذاب، لأنه غريب بقدرته اليتي تتشكل انطلاقا من مفاهيم فلسفية لنندرج بما يسمى بالاستيطيقا الدرامية التي ترتبط سوسيولوجيا بالجسد الإنساني، وسيكولوجيا بالبعد اللاشعور الباطني الإيجابي، لأن المخرج أنبث الجمال في النص الممسرح بهدف أن يصير بودليريا ليقوم بتحويل الهامش إلى أزهار، لأن يعرف كيف ينحط بالحياة المدنية، معتقدا بأنه يتقبل ذلك، غير أن هذا ليس هدفه، بل استخرج من الهامش والتفاهة والإقصاء شكلا جديدا من هذه الأرواح المعذبة لكي يكون نظاما شرعيا يتدخل في حياتنا الأخلاقية والشخصية، والحميمة لأن حركة التحرر حديثة العهد بالنسبة لنا، حيث نعاني من افتقاد لمبد‎أ يؤسس عليه إنشاء الأخلاق والهوية والوطن، لتأسيس نوع من أخلاق المسرح وليكون علم الجمال الوجود، فالمخرج فكك طلاسيم الواقع المغربي الحاضر لأجل تأسيس علاقة الإنسان يحن إلى العودة إلى هذا الماضي بشكل مدهش، لأنه يريد أن يعيد لنا ذلك العود الأبدي ليتخلص الناس عبر الألم إلى التعقل والحكمة، إنها تكمن الرحمة وراء قوته، وهذا ما رأيناه في لوحات المسرحية، لذا أن المخرج يعد بروميثيوسيا الذي سرق النار فأعطاها للممثلين لكي يسلكوا طريقة الصوفية العاشقة للذات والصفات الأدمية، فالممثلون كلهم استطاعوا تطويع هذا الجسد ليكون نبراسا جديدا ورؤية باطنية توحد بين الذات والعالم وبين الفكر والوجود، وترفض كل تجربة لا تستند على مبادئ التمسرح التجريبي، وفي الأخير أشكر من ساهم من بعيد أو قريب في تشييد هذا الصرح التمسرحي، وقد شارك في تمسرح هذه المسرحية – فريد – نسرين – مراد والمخرج النرويشي وكل الطاقم التقني والدرامي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *