تسع رصاصات للداخل، وواحدة فقط لرفع العتب!”

حميد طولست .
كاتب ساخر واقد اجتماعي.

يُحكى أن الحسن الثاني قال ذات زمن: إذا كان معك مسدس فيه عشر رصاصات، فواحدة تكفي لأعداء الخارج، أما التسع الباقية فادّخرها لأعداء الداخل.
في زمننا هذا، لم يعد خائن الداخل ذلك الشخص الغامض الذي يتسلل ليلاً عبر الأسوار ، بل صار نجماً موسمياً، يظهر في كل قضية خارجية، يصرخ ويزمجر، ويكاد يحرر العالم ، لولا أنه ينسى، سهواً طبعاً، أن بلده يعاني من أزمات حقيقية تحتاج نصف ذلك الصراخ.
والغريب أن هذا “المناضل الكوني” لا يسمع أنين مواطنيه، لكنه يمتلك أذناً خارقة تلتقط أدق تفاصيل الصراعات البعيدة ، لا يرى غلاء الأسعار، لكنه يرى بوضوح “المؤامرة الإمبريالية” ، لا يلتفت لضحايا الفيضانات أو الزلازل، لكنه يكتب مجلدات في التضامن مع قضايا لا يعرف حتى جغرافيتها بدقة.
أما عن فلسطين، فهي عنده ليست قضية ، بل “بطاقة عبور” لكل خطاب ، يرفعها حين يشاء، ويخفضها حين لا تخدم جدول أعماله، وكأن فلسطين عند البعض تحولت من جرح إنساني إلى “اشتراك سياسي” يُفعَّل حسب الحاجة.
ثم يأتي المشهد الأكثر سريالية: من لا يتضامن مع أبناء بلده، يصبح فجأة خبيراً في توازنات الشرق الأوسط ، ومن لم يُصدر بياناً واحداً عن معاناة محيطه، يتحول إلى محلل استراتيجي يشرح للعالم كيف تُدار الحروب!
ولأن السخرية لا تكتمل دون مفارقة، فإن بعض هؤلاء يهاجمون “التبعية”، وهم في الواقع يمارسونها بشكل أكثر احترافية لكن تحت شعار “المقاومة” ، ينددون بالهيمنة، لكنهم يصفقون لأي قوة خارجية ما دامت تخدم روايتهم، حتى لو كان ثمن ذلك هو تجاهل مصلحة وطنهم.
أما الأسئلة المحرجة، التي يحرمون تداولها فهي:لماذا تتحرك الصواريخ حيناً وتصمت حيناً أخرى ؟ ولماذا تُستحضر القضايا وفق جدول سياسي لا إنساني؟ ولماذا يصبح التفكير النقدي خيانة، بينما التبعية العمياء تُسوَّق على أنها نضال؟
لكن لا بأس ، فالتاريخ، كما قيل، لديه ذاكرة انتقائية قاسية: لا يحتفظ بالخطب الرنانة، بل بالمواقف الحقيقية ، ولا يخلّد من صرخ عالياً، بل من وقف صامتاً إلى جانب شعبه حين احتاجه.
في النهاية، ربما لم نعد بحاجة إلى عشر رصاصات كما في الحكمة الحسنية ، بل إلى شيء أبسط: قليل من الصدق، وكثير من الانتباه،
حتى لا نكتشف متأخرين أن بعض “المناضلين” كانوا فقط يتدربون على إصابة الهدف الخطأ.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *