تسقيف السن: بين الحق الدستوري وإقصاء الشباب

بدر شاشا 
في كل مرة تتجدد الإصلاحات في قطاع التعليم وفي باقي الوظائف الحكومية، يظهر لنا موضوع يثير الكثير من التساؤلات: لماذا تم تحديد سن 30 سنة كحد أقصى للولوج إلى بعض الوظائف، خصوصًا في التعليم؟ هذه القاعدة لم تضع على أساس الكفاءة أو القدرات أو الإمكانيات العقلية والجسدية، بل ببساطة كقيد رسمي في النصوص واللوائح، وكأن السن هو معيار النجاح والجدارة.
الأمر المثير للانتباه أن هذا القيد غالبًا لا علاقة له بمضمون الوظيفة نفسها. فالتعليم، على سبيل المثال، يتطلب معرفة، قدرة على التواصل، صبر، وحب للعلم، ولا يتطلب بالضرورة أن يكون الشخص تحت سن محدد. ومع ذلك، تجد أن القانون وضع سقفًا عمره 30 سنة، وكأن كل من تجاوز هذا السن فقد حقه الدستوري في العمل وفي خدمة وطنه.
الغريب أكثر أن هذا التسقيف يتغير كل مرة حسب المزاج السياسي أو حسب الإصلاحات التي لا علاقة لها بالسن، ما يجعل الشباب يعيشون في حالة من الإقصاء المستمر والارتباك. اليوم تجد وظيفة معينة مفتوحة لمن هم تحت 30، وغدًا يتم رفع الحد أو خفضه، دون أي مبرر علمي أو اجتماعي حقيقي.
هذا التسقيف ليس مجرد رقم في لوائح، بل هو قرار سياسي واجتماعي يعكس عدم الثقة بالشباب وقدراتهم. إنه إقصاء صريح لحق دستوري يكفله القانون لكل مواطن: الحق في العمل والولوج إلى الوظائف العمومية على أساس الجدارة والكفاءة، وليس العمر.
إذا كان السن معيارًا، فكيف يمكن أن يكون أي وزير، أو برلماني، أو مسؤول حكومي يتجاوز 30 سنة؟ هل أصبح معيار النجاح السياسي والاجتماعي غير مرتبط بالسن، لكن الموظف العادي يُحرم من فرصته لأنه تجاوز الحد الزمني الذي رسمه القانون؟ هذه مفارقة صادمة تكشف ازدواجية المعايير بين المسؤولين وبين الشباب الباحث عن فرصة عادلة.
الحقيقة أن الإصلاحات في التعليم والوظائف الحكومية يجب أن تركز على الكفاءة، على الإبداع، على الجدية في العمل، لا على مجرد رقم مكتوب على ورقة. الشباب اليوم يمتلك المؤهلات، الطموح، والقدرة على العطاء، لكن سياسات التسقيف العمري تحرمهم من فرصتهم وتضعهم في دائرة من الانتظار الطويل والخيبات المتكررة.
إن تسقيف السن بهذا الشكل ليس إصلاحًا، بل هو قيد إضافي على الشباب، وهو رفض ضمني لمبدأ المساواة في الحقوق والفرص. المطلوب اليوم هو مراجعة هذه القواعد، وضع معايير حقيقية تعتمد على القدرات والمعرفة والكفاءة، وليس العمر، لضمان أن يكون لكل مواطن الحق الكامل في ممارسة عمله، وتحقيق طموحه، والمساهمة في بناء وطنه دون أي عوائق مصطنعة.
التسقيف العمري في الوظائف الحكومية ليس مجرد إجراء إداري، بل رسالة واضحة للشباب: لا تبحث عن حقك إذا تجاوزت العمر المفترض. وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق إذا أردنا مجتمعًا يضمن العدالة والحق الدستوري لكل مواطن، ويعطي الشباب الفرصة ليكونوا شركاء حقيقيين في التنمية والإصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *