حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي
بعد الرزية التي عرفتها الساحة الفنية المغربية بفقدانها لهرمي الأغنية الوطنية؛ رائد الأغنية الملتزمة عبد الهادي بلخياط، وركيزة الأغنية الأمازيغية الرايس مبارك كوكو، ها هي ساحة الفن السابع المغربي تُصاب، بدورها، في مقتل، وتُفجع برحيل قامة سينمائية وتلفزيونية معطاءة، المخرج المقتدر محمد عهد بنسودة، الذي ودّعه المغاربة اليوم بقلوب حزينة مكلومة.
رحيل بنسودة لا يأتي معزولًا عن سياقه، بل يبدو وكأن المغرب، في هذا التتابع القاسي للفقد، يودّع جيلًا كاملًا كان يرى في الفن مسؤولية أخلاقية قبل أن يراه شهرة، وفي الإبداع أمانة إنسانية قبل أن يحوّله إلى سلعة استهلاكية عابرة.
بلخياط، بصوته وخياراته، كان ضميرًا غنائيًا يحرس القيم ويمنح للالتزام معناه النبيل.
وكوكو، بكلمته المرتجلة وحضوره المهيب في “أسايس”، كان ضميرًا شعريًا يحمي الذاكرة ويُوازن بين الجرأة والحكمة. أما محمد عهد بنسودة، فقد كان ضمير الصورة؛ مخرجًا يرى في الكاميرا أداة مساءلة لا أداة تزويق، وفي السينما فعل وعي لا مجرد فرجة.
وما يزيد هذا الرحيل ألمًا، على المستوى الشخصي، تلك العلاقة الإنسانية المباشرة التي ربطتني بالفقيد؛ إذ كان محمد عهد بنسودة أحد أنجب تلامذة زوجتي بإعدادية “بني موين”بفاس ، حيث عرفته تلميذًا نجيبًا، هادئ الملامح، عميق النظرات، قبل أن أعرفه لاحقًا مخرجًا مغربيًا بصوت خاص وبصمة مميزة. كأن القدر أراد أن يُقدّم لنا، منذ البدايات الأولى، ملامح ذلك الشغف المبكر بالصورة والمعنى.
وُلد محمد عهد بنسودة في 17 يوليوز 1969، وسلك مسارًا علميًا وثقافيًا لافتًا؛ حصل على الإجازة في التاريخ والأدب الفرنسي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس بين سنتي 1989 و1991، قبل أن يستكمل تكوينه السينمائي بجامعة السوربون في باريس، حيث نال أيضًا شهادة في تاريخ الفن وعلم الآثار. تكوينٌ مزدوج منح أعماله عمقًا فكريًا وبصريًا، وجعل من اختياراته الإخراجية امتدادًا لوعي ثقافي لا يُجامل السطح.
هذا المسار الوازنة تُوّج بجوائز دولية ، من بينها : جائزة لجنة التحكيم الخاصة بالمهرجان الدولي للفيلم بروتردام سنة 2010، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة بالمهرجان الدولي للفيلم بمسقط في السنة نفسها؛ اعتراف دولي بموهبة مخرج اختار أن يشتغل في الهامش المضيء، لا في مركز الأضواء الزائفة.
خلف بنسودة إرثًا سينمائيًا وتلفزيونيًا غنيًا سيظل شاهدًا على شغفه بالفن السابع، وعلى قدرته على ملامسة القضايا الإنسانية بصدق وجرأة، من خلال أعمال من قبيل:” الجرة”، “الصمت المكسر”، “ثمن التهور”، و«موسم المشاوشة» (2009)،و«خلف الأبواب المغلقة»* (2014)،و«البحث عن السلطة المفقودة» (2017)،و«حياة» (2017)،و«مستر سنسور» (2016)، إضافة إلى أعماله التلفزيونية الحديثة مثل «الصك وغنيمة» و«عين كبريت» سنة 2023.
أعمال لم تكن مجرد سرد قصصي، بل محاولات دؤوبة لفهم الإنسان، وتفكيك السلطة، وطرح الأسئلة الصعبة بلغة الصورة.
إن فقدان محمد عهد بنسودة ليس خسارة لعائلته الصغيرة فقط، بل هو فقدان مؤلم للساحة الفنية المغربية برمّتها؛ فقدت مخرجًا بلمسة خاصة، وبصوت مستقل، وبقدرة نادرة على الجمع بين الحس الجمالي والهمّ الإنساني.
وبهذه المناسبة الأليمة، نتقدّم بصادق التعازي والمواساة إلى أسرة الفقيد، وإلى الجسم الفني والثقافي المغربي، راجين من العلي القدير أن يتغمّده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، وأن يُلهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ ورحم الله محمد عهد بنسودة…
لقد غاب الجسد، لكن الصورة الصادقة لا تموت.