بدر شاشا
يشكل سوق الشغل في المغرب أحد أهم التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المجتمع في الوقت الراهن، حيث تتداخل فيه مجموعة من الإشكالات المرتبطة بالتشغيل والهشاشة المهنية وضعف الاستقرار الوظيفي. ورغم وجود ترسانة قانونية مهمة تنظم علاقات الشغل وتحمي حقوق العمال، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن مجموعة من الاختلالات التي تؤثر بشكل مباشر على حياة فئات واسعة من العمال، خصوصاً الشباب الذين يدخلون سوق العمل لأول مرة.
إن العمل ليس مجرد وسيلة للحصول على الدخل، بل هو عنصر أساسي في تحقيق الكرامة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي. غير أن عدداً من الممارسات داخل بعض المؤسسات والمقاولات يطرح تساؤلات حول مدى احترام بعض المقتضيات القانونية المنظمة لعلاقات الشغل، خاصة فيما يتعلق بالتصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وإبرام عقود العمل، واحترام ساعات العمل، وضمان الحد الأدنى من الأجور.
من بين أبرز الإشكالات التي يعاني منها بعض العمال مسألة التصريح الجزئي لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ففي بعض الحالات يعمل الأجير طوال الشهر تقريباً، وقد يصل عدد أيام عمله إلى ستة وعشرين يوماً، غير أن المشغل يصرح له بعدد أقل من الأيام، مثل ثمانية عشر يوماً فقط. هذا النوع من الممارسات لا يؤثر فقط على الأجر الظاهر، بل ينعكس بشكل خطير على الحقوق الاجتماعية للعامل، خصوصاً فيما يتعلق بالتقاعد والتغطية الصحية والتعويضات الاجتماعية. فكل يوم غير مصرح به يمثل خسارة فعلية لحق من حقوق العامل المستقبلية.
كما تظهر مشكلة أخرى تتعلق بغياب عقود العمل داخل بعض المقاولات. فقد يعمل شخص لسنوات طويلة دون أن يحصل على عقد رسمي يحدد حقوقه وواجباته. وهناك حالات اشتغل فيها بعض العمال لأكثر من أربع سنوات دون أي عقد عمل أو ترسيم قانوني، وهو ما يضعهم في وضعية هشاشة قانونية دائمة. فالعامل في هذه الحالة قد يجد نفسه مهدداً بفقدان عمله في أي لحظة دون أي ضمانات أو حماية قانونية واضحة.
وفي حالات أخرى قد يصل الأمر إلى أن يعمل شخص لمدة عشر سنوات داخل مؤسسة أو شركة، ثم يفاجأ في النهاية بتوقيع عقد مرتبط ببرنامج “أنابيك”، رغم أن هذا البرنامج في الأصل موجه لإدماج الشباب في بداية مسارهم المهني. هذا الوضع يثير نقاشاً واسعاً حول طريقة استخدام بعض المؤسسات لهذه العقود، خصوصاً عندما يتم تحويلها من وسيلة لإدماج الشباب إلى أداة لتجنب الالتزامات المهنية طويلة الأمد.
برنامج أنابيك كان في الأصل مبادرة مهمة تهدف إلى مساعدة الشباب على اكتساب الخبرة المهنية والدخول إلى سوق العمل. غير أن بعض الشباب يعتبرون أن هذه العقود أصبحت في بعض الحالات مصدراً لعدم الاستقرار الوظيفي، لأنها غالباً ما تكون مؤقتة ولا توفر ضمانات حقيقية للاستمرار في العمل بعد انتهاء مدتها. كما أن بعض الشركات أصبحت تشترط وجود تجربة سابقة عبر أنابيك قبل التوظيف، وهو ما يجعل الشباب الذين لم يحصلوا على هذه الفرصة يواجهون صعوبة إضافية في إيجاد عمل.
ومن بين الممارسات التي يشتكي منها بعض العمال أيضاً تشغيل الأشخاص لفترات قصيرة تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر فقط، ثم إنهاء عملهم واستبدالهم بعمال آخرين. هذا الأسلوب قد يستخدم أحياناً لتجنب الالتزامات القانونية المرتبطة بالتصريح لدى الضمان الاجتماعي أو لتفادي منح العامل حقوقاً مرتبطة بالأقدمية داخل المؤسسة.
أما فيما يتعلق بظروف العمل، فإن بعض القطاعات تعرف تحديات كبيرة على مستوى ساعات العمل والأجور. ويعد قطاع الحراسة الخاصة من بين أبرز القطاعات التي تطرح هذا النقاش. فالكثير من حراس الأمن الخاص يعملون لساعات طويلة قد تصل إلى أربع عشرة ساعة يومياً، إضافة إلى الوقت الذي يقضونه قبل بداية العمل أو بعد انتهائه. ورغم هذه الساعات الطويلة، فإن الأجور غالباً ما تبقى محدودة وتتراوح في بعض الحالات بين 2800 و3200 درهم شهرياً، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة هذه الأجور مع حجم العمل المبذول.
كما يطرح موضوع مراقبة ظروف العمل إشكاليات أخرى. فالقانون يمنح لمفتشية الشغل صلاحيات واسعة لمراقبة احترام قوانين العمل داخل المؤسسات، غير أن بعض العمال يعتقدون أحياناً أن بعض المشغلين قد يحصلون على معلومات مسبقة حول زيارات لجان التفتيش، مما يمنحهم الوقت للاستعداد أو لتغيير الوضع مؤقتاً قبل وصول لجنة المراقبة. هذه التصورات تعكس في حد ذاتها الحاجة إلى تعزيز الثقة في آليات المراقبة وضمان استقلاليتها وفعاليتها.
إن هذه التحديات لا تعني أن سوق الشغل في المغرب يفتقر بالكامل إلى التنظيم أو إلى الإطار القانوني، بل إن المشكلة الأساسية تكمن في الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي على أرض الواقع. فالقوانين موجودة، لكنها تحتاج في كثير من الأحيان إلى صرامة أكبر في التنفيذ وإلى آليات مراقبة أكثر فعالية.
معالجة هذه الإشكالات تتطلب مقاربة شاملة تقوم على عدة محاور أساسية. أولها تعزيز دور مفتشية الشغل وتكثيف عمليات المراقبة لضمان احترام قوانين العمل داخل المؤسسات. وثانيها تحسين ظروف العمل والأجور بما يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم للعمال. وثالثها تطوير سياسات تشغيل فعالة تساعد الشباب على الحصول على وظائف مستقرة بدل الاكتفاء بعقود مؤقتة قصيرة الأمد.
كما أن الحوار الاجتماعي بين المشغلين والعمال والنقابات يمكن أن يلعب دوراً مهماً في تحسين بيئة العمل وفي إيجاد حلول متوازنة تضمن حقوق جميع الأطراف. فالمقاولة الناجحة هي تلك التي تحقق التوازن بين تحقيق الربح واحترام حقوق العاملين فيها بناء سوق عمل عادل ومستقر يمثل أحد الشروط الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فكلما تم ضمان حقوق العمال وتحسين ظروف عملهم، كلما انعكس ذلك بشكل إيجابي على الإنتاجية والاستقرار الاجتماعي وعلى ثقة الشباب في مستقبلهم داخل وطنهم.
إن مستقبل التنمية في أي مجتمع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرة هذا المجتمع على توفير فرص عمل لائقة وكريمة لمواطنيه، لأن العمل الكريم ليس فقط وسيلة للعيش، بل هو أساس الكرامة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي.