جمهورية “المداويخ” ووزارة “بالزعط”

حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

حين يتحول المسؤول إلى أستاذ في فن إهانة الشعب
يبدو أن المغرب، في السنوات الأخيرة، لم يعد بحاجة إلى وزارة للتواصل، ولا إلى مؤسسات لصياغة الخطاب السياسي الرصين. فقد تكفلت بعض النخب السياسية بمهمة جديدة: تدريس مادة “فن إهانة المواطن”، مادة اختيارية في الظاهر، لكنها إجبارية في الممارسة.
القاعدة بسيطة: كلما زاد منصبك، قلّ احترامك للناس.
فكرامة المغاربة – كما نسمع في الخطب الرسمية – “فوق كل اعتبار”، لكنها في الواقع تبدو أحياناً تحت أحذية بعض المسؤولين، الذين اكتشفوا أن الطريق الأقصر للشعبية ليس خدمة المواطن، بل السخرية منه.
من “المداويخ” إلى “بالزعط”: تطور الخطاب السياسي
لنبدأ بأحد أعمدة هذا “المدرسة البلاغية الجديدة”: مع رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران.
الرجل لم يكتف بإدارة الحكومة، بل فتح أيضاً ورشة لغوية جديدة في الخطاب السياسي، حيث أصبح المواطن المغربي: “مداويخ” عندما يحتج على ارتفاع الأسعار. “عفا الله عما سلف” عندما يتعلق الأمر بالفساد الكبير. “إلى ما عجبكمش الحال بدلو الحكومة” وكأن الأمر يتعلق بتغيير قناة تلفزية لا بتسيير دولة.
وذات مرة خاطب المحتجين بأسلوب أقرب إلى التوبيخ الأبوي منه إلى الخطاب الديمقراطي. بهذه البساطة تحولت العلاقة بين الدولة والمواطن إلى علاقة جديدة: الأب السياسي الحكيم… والشعب القاصر.
ولم يكن بنكيران وحيداً في هذا المجال. فقد خرجت من “مدرسة البلاغة الحكومية” أسماء أخرى أبدعت في نفس الفن.
أخنوش ودرس “إعادة التربية”
رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش بدوره دخل التاريخ السياسي بعبارة ستبقى محفوظة في أرشيف الخطاب المغربي: الحديث عن “إعادة تربية المغاربة” ، العبارة التي تختصر فلسفة سياسية كاملة:
الشعب ليس صاحب السيادة… بل تلميذ يحتاج إلى إعادة تأهيل.
ربما نسي البعض أن الشعوب في الديمقراطيات هي التي تقيم الحكومات، وليس العكس.
بوسعيد ونظرية “المداويخ الاقتصادية”
وزير المالية السابق محمد بوسعيد لم يتأخر بدوره، عندما وصف المغاربة الذين احتجوا على الغلاء بـ “المداويخ”.
ولأن الاقتصاد علم دقيق، فقد اكتشف الرجل نظرية جديدة:
كلما ارتفعت الأسعار، ارتفع مستوى “الدوخة الشعبية”. دون أن يشرح لنا ، هل التضخم ظاهرة اقتصادية، أم مجرد دوخة جماعية؟
وهبي و”التقاشر… وولده”
أما وزير العدل عبد اللطيف وهبي فقد قدم بدوره درساً في التفوق الطبقي، عندما تحدث بلغة توحي بأن النفوذ والمال مسألة عائلية موروثة: “با لاباس عليه… وولدي”.
وكأن تكافؤ الفرص الذي ينص عليه الدستور مجرد تفصيل نظري جميل يصلح للخطب، لا للحياة.
الطالبي العلمي وفلسفة “القطيع”
أما في البرلمان، فقد خرج توصيف آخر للمواطن المغربي، حيث بدا أحياناً وكأنه كائن منساق بلا إرادة.
وبذلك اكتمل المشهد: الشعب في الخطاب السياسي المغربي يمكن أن يكون: مداويخ ، ويحتاج إعادة تربية ، ومنساق كقطيع، أو مجرد رقم اقتصادي
لكن لا أحد يجرؤ على وصفه بما ينص عليه الدستور: مواطن صاحب سيادة.
ثم نصل إلى الحلقة الأخيرة من هذا المسلسل: قضية مغاربة العالم، الذين قيل لهم في لحظة بلاغية ملهمة: “بالزعط”.
وهؤلاء، للمفارقة، هم الذين: يرسلون مليارات الدراهم سنوياً ، يدافعون عن صورة المغرب في الخارج ، يفتحون أبواب الاستثمار ، ويربطون الاقتصاد الوطني بالأسواق الدولية.
لكن يبدو أن المشكلة ليست في دورهم ، بل في أنهم نجحوا بعيداً عن بيروقراطية الوطن.
لهذا يحق للمغاربة أن يسألوا سؤالاً بسيطاً: هؤلاء الذين يعيشون في الخارج ، ويرسلون الأموال ، ويدافعون عن بلدهم ، ويستثمرون عندما تسمح الظروف…
دون أن يقدم لهم السيد الوزير أي مقابل؟
ودون ان يجعل الوطن مكاناً يعودون إليه بسهولة؟
و أن أقصى ما قدمه لهم هو محاضرة في الوطنية؟
المشكلة ليست في الكلمات… بل في العقيدة
المشكلة الحقيقية ليست في كلمة خرجت هنا أو هناك.
المشكلة أن بعض المسؤولين أصبحوا يتحدثون وكأن المواطنة منحة حكومية،
وكأن الوطنية صك امتياز يوزعه السياسيون على من يشاؤون.
والحال أن الحقيقة أبسط بكثير:
المواطن ليس ضيفاً عند الدولة ، المواطن هو صاحب البيت.
أما المسؤول ، فهو مجرد موظف مؤقت.
خاتمة ساخرة
في النهاية يبدو أن المغرب لا يعاني من أزمة اقتصاد فقط، ولا من أزمة سياسة فقط ، بل من أزمة أعمق بكثير: أزمة احترام.
فالدولة التي يصف مسؤولوها شعبهم بـ“المداويخ”
ويفكر بعضهم في “إعادة تربيته”
ويخاطب آخرون أبناءه في الخارج بـ“بالزعط”…
هي دولة تحتاج أولاً إلى شيء بسيط جداً:
إعادة تربية خطابها السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *