حميد طولست
في مساء خامس نونبر الحالي ، وضمن فعاليات مهرجان “مقامات” في دورته الخامسة عشرة، عاش فضاء باب فاس العريق بمدينة سلا المجاهدة لحظات استثنائية من السمو الفني والدهشة الإبداعية، حيث تزاوجت الكلمة العميقة بالنغمة الأصيلة، في أجواء احتفالية راقية أضفت عليها مجموعة غيوانية أصيلة مزيدًا من البهاء، وهي تسكب من رصيدها الفني العابق بحب الوطن ما أطرب جمهورًا ذواقًا أحسن الإصغاء وتفاعل بعفوية ومسؤولية الجمال في أمسية أثثت تفاصيلها مجموعة النسيم، ونسّق فقراتها الأنيقة الشاعر والناقد الدكتور مراد القادري، رئيس بيت الشعر في المغرب، التي تم فيها — بحفظ الله وعونه — تقديم وتوقيع كتاب موسوم بـ:”جيل جيلالة: سيرة مجموعة غنائية أسطورية نهلت من تراث فن الملحون”، وهو العمل الإبداعي الجديد للأستاذ حميد تهنية، الشاعر الزجال ومربي الأجيال، الذي أضاف بهذا المؤلَّف لبنة مضيئة في صرح توثيق الذاكرة الغيوانية، واستعادة روح مرحلة فنية صنعت وجدان أجيال من المغاربة، التي قدّمها الدكتور مراد بكلمة مفعمة بالتقدير والإشادة، أبرز فيها القيمة التوثيقية والجمالية للكتاب، وما يمثله من جسر بين الشعر الملحوني والتراث الغيواني في بعدهما الوطني والإنساني. وقد تخللت الحفل فقرات موسيقية أدّتها مجموعة النسيم في مقتطفات جيلالية زادت المناسبة دفئًا وبهاءً، في تزامن بديع مع احتفاء جمعية أبي رقراق بذكرى المسيرة الخضراء المجيدة، رمز الوحدة والتلاحم الوطني.
هنيئًا للصديق المبدع الأستاذ حميد تهنية على هذا المنجز الثقافي الرفيع، الذي يجسد إخلاصه لفن الكلمة وأصالة النغمة، ويعيد إلى الذاكرة عبق زمن الجيل الذهبي للأغنية المغربية الملتزمة.
ولئن لم أكن حاضرًا في هذا العرس الزجلي الأسطوري -لتواجدي في تلك الأرض التي قال عنها محمد درويش يومًا: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”- فقد تشرفت، وتمتعت كثيرا بمتابعة –ولو من بعيد، – عمل توثيقي وإبداعي يستعيد سيرة واحدة من أعظم المجموعات التي وشّحت الأغنية المغربية بالمعنى والوجدان، وتتوّيج جهد مبدعٍه الصادقٍ الذي ظلّ وفيًّا للكلمة والإنسان والوطن.