حين تصبح المعلومة أقوى من الدعاء أو: كيف تحوّل الجن إلى “Data”

حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي

مع انطلاق ما يمكن تسميته – دون مبالغة – أعنف حرب استخباراتية عرفها التاريخ، خرج دونالد ترامب ليطمئن الرأي العام العالمي: “نعرف جيدًا أين يوجد المرشد الإيراني، ونعرف أيضا من سيحكم إيران بعده.”
تصريح عادي في زمن غير عادي ، لكن الغير العادي هو أن الرجل لم يكن يهذي ، حيث أنه لم تمر سوى أيام – إن لم نقل ساعات – حتى تحوّل التصريح إلى نشرة نعي دقيقة التوقيت: المرشد، قيادات الصف الأول، غرف محصنة، أجهزة أمنية، استخبارات، حرس ثوري، غادروا بضربة واحدة، نظيفة، صامتة.
مشهد لو وقع في زمن الأمم الغابرة، لقالوا: هذا سحر ،ولو وقع في زمن الأنبياء، لشبهوه بـمعجزة سليمان، حين أُتي بعرش بلقيس قبل أن يرتد الطرف.
لكن الفرق – وهنا مربط السخرية – أن سليمان عليه السلام كان نبيًا،
أما ترامب ، فهو منتج متأخر لوادي السيليكون ، لا جنّ هناك، فقط تكنولوجيا باردة ،
ما نعيشه اليوم ليس عصر “الخوارق”، بل عصر ديكتاتورية التكنولوجيا ، حيث لم تعد الحروب تُحسم بـ”جرة قلم”، بل بـضغطة زر متصل بسيرفر، بسحابة، بخوارزمية لا تصلي، ولا تصوم، ولا تعرف الدعاء، تديرها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ووكالة الأمن القومي، التي لا تستعينان بالجن، ولا تنتظران ليلة قدر،
بل تعملان بمنطق بسيط جدًا: أعطني بياناتك، أُعطيك موتك في الموعد المحدد ، عبر أجهزة تنظيم ضربات القلب، مضخات الأنسولين،
سماعات الأذن الذكية ، التي تتحول كلها– دون علم أصحابها – إلى منارات لاسلكية ،تبثّ نبض القلب ، فتلتقطها الأقمار،
وتُحللها الخوارزميات، وتُرسم الخريطة الحرارية للجسد ، ثم يأتي الصاروخ وهو يعرفك أكثر مما تعرف نفسك.
وتبقى المفارقة المأساوية؟ أن الأجهزة التي أبقتهم أحياء
هي نفسها التي دلّت الصواريخ عليهم.
التكنولوجيا لم تعد تسأل: من أنت؟ بل: أين أنت الآن؟
ولا يهم بعدها إن كنت مرشدًا، أو قائدًا، أو رمزًا، فـالبيانات لا تحترم الرموز.
ووسط هذا المشهد،يدخل الداعية مصطفى العدوي … من باب الخطأ الفادح ، مسلحًا بأثقل سلاح في الترسانة التقليدية: الدعاء ، مخاطبا مهددًا ترامب : “أسلم تسلم… وإلا حلت الخيل بالبيت الأبيض… يوم لا تنفع F16 ولا F35.”
تهديد عظيم ، لو كان موجَّهًا لجيش من القرن السابع لعرف ردودا كالتي قرأناها في التاريخ المزور.
لكن زبمت أنها في القرن الحادي والعشرين؟ فأفضل رد عليه هو المثل المغربي الخالد: “ما حسّ الذيب غير بحزاق النعجة.”
ترامب – يا مولانا – لا يخاف من الدعاء، بل من شح المعلومات ومن انقطاع الإنترنت والحرب النفسية التي تسبق الصاروخ، والتي يثقنها جيدا ،والتي استعملها لإرباك أعدائه: حين قال :“نعرف من سيحكم إيران بعدكم”،فهو لا يتنبأ ، بل يفجّر الشك داخل القيادة ، ويدفعهم للتسلؤل :من الخائن؟ من المُخترق؟ من البصمة التي بثّت الإشارة؟
وهكذا، ينهار الخصم من الداخل ، قبل أن تصله “القرطاسة”.
الخلاصة (لمن ما زال يعتقد نجاعة الدعاء ، لسنا في زمن الجن،ولا في عصر الكرامات، نحن في زمن الجيوبوليتيك الرقمي،
حيث: الهاتف مخبر الساعة الذكية شاهد الجسد نفسه دليل إدانة.
أما من يظن أن الدعاء وحده يهزم الخوارزميات، فهو لا يعيش خارج التاريخ فقط، بل خارج التغطية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *