حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
فيما يلي مقالة رياضية/أدبية تجمع بين التحليل الكروي والنَفَس الجمالي، وتتمركز حول نص الأستاذ عزيز الزاهر بوصفه حدثًا فكريًا بحد ذاته، لا مجرد تعليق بعد مباراة:
ليست كل مباراة كرة قدم تستحق أن تُروى، كما ليست كل نتيجة قابلة لأن تُفهم. بعض المباريات تمرّ في الذاكرة كأرقام عابرة، وبعضها يترك أثره لأنه كُتب… لا بالأقدام وحدها، بل بالعقول التي قرأته.
ومباراة المغرب ومالي، في تعادلها الصامت، لم تكن لتنجو من رتابة “تحليل ما بعد اللقاء” لولا النص الذي أنقذها من الابتذال، وجعلها قابلة للتأمل: نص الأستاذ الرياضي الأديب عزيز الزاهر.
منذ السطر الأول، لم يكتب الزاهر عن “تعادل”، بل عن حالة تعادل في الإحساس، لا في النتيجة ، بين سيطرة تطمئن، وقلق يتسلل حين تكتشف أن التفوق، مهما بدا أنيقًا، قد يكون بلا أنياب. هنا، يخرج الأستاذ الزاهر من لغة الإحصائيات إلى لغة المعنى، ومن قاموس الكرة إلى معجم الفلسفة.
حيث أن المنتخب المغربي، كما يصفه الزاهر، دخل بثقة الاسم لا بثقل المباراة ، ليلعب وهو يظن أن السيطرة شكلٌ كافٍ للحسم، وأن الجمال طريق مختصر للنهاية السعيدة. هدف السبق من ركلة جزاء لم يكن صدفة، بل ترجمة منطقية لتفوق تقني، غير أن هذا التفوق — وهنا بيت القصيد — ظل باردًا ، جميلًا، لكنه غير قاتل.
في المقابل، لم يقدّم منتخب مالي مباراة صاخبة، بل مباراة ذكية.
والتي صفها الزاهر بجملة تستحق أن تُعلّق في قاعات التكوين”ما فعله منتخب مالي يُدرّس.”
لم يكن ذلك مجازًا إنشائيًا، بل حكمًا معرفيًا ، صبرٌ بلا تراجع، انضباط بلا انكماش، قراءة للمباراة لا للخصم فقط.
مالي لم ينهزم نفسيًا بعد التأخر، ولم ينجرّ وراء إغراء المجاراة. انتظر، كما ينتظر لاعب شطرنج خصمه حين يخطئ في الثقة، لا في الحركة.
وحين جاءت فرصة التعادل، جاءت أيضًا من ركلة جزاء، لكن الفارق كان في الذهن لا في القدم. مالي استثمر اللحظة دون ارتباك، ليعيد المباراة — كما كتب الزاهر بدقة جراح — إلى نقطة البداية: ذهنيًا قبل أن تكون حسابيًا.
الأستاذ عزيز الزاهر لا يبحث عن شماعات سهلة.
لا يتهم لاعبًا، ولا يطعن في اللياقة، ولا يرفع عصا التخوين.
المشكل، كما يراه، أعمق وأخطر: غياب القسوة التنافسية بعد التقدم.
ذلك الوهم الذي يصيب الفرق الكبيرة حين تعتقد أن المباراة ستُحسم تلقائيًا، وأن الخصم سيتكفل بالانهيار نيابة عنها.
لكن كرة القدم الإفريقية — كما يذكّرنا النص — لا ترحم هذا النوع من الاطمئنان ،لأنها، كرة تعاقب الغرور الصامت، وتكافئ الواقعية الصلبة.
وحين يصل الزاهر إلى الخلاصة، لا يكتب حكمًا نهائيًا، بل يترك باب الأمل مفتوحًا بشرط الوعي: التعادل ليس كارثة، لكنه رسالة.
والمنتخب الكبير لا يُقاس بقدرته على السيطرة، بل بقدرته على القتل في اللحظة المناسبة.
والبطولات لا تُربح بالجودة وحدها، بل بالتركيز، والنجاعة، والتحول من الجمال إلى الحسم.
في زمن امتلأت فيه الساحة الرياضية بالضجيج، والتحليل الانفعالي، والانحياز الفجّ، يجيء نص عزيز الزاهر كاستثناء نبيل:
كيف لا وهو رياضي يفهم اللعبة، وأديب يحسن القول فيها، وفيلسوف لا يُجامل وطنه على حساب الحقيقة.
هكذا فقط، تصبح كرة القدم مع الأستاذ عزيز الزاهر ، نصًا يُقرأ…
وهكذا فقط، يتحول التعادل إلى درس.