لم يكن التراجع الأخير في أسعار النفط على الصعيد الدولي مجرد تغير عابر في مؤشرات السوق، بل كشف مرة أخرى عن فجوة واضحة بين ما يجري عالمياً وما يعيشه المواطن المغربي يومياً. فبعد إعلان الهدنة في الشرق الأوسط، هبطت الأسعار إلى ما دون 100 دولار للبرميل، غير أن هذا الانخفاض لم ينعكس على أثمان الوقود داخل المغرب، حيث ظل الوضع على حاله وكأن السوق الوطنية معزولة عن محيطها الدولي.
هذا التباين لم يعد مقنعاً للرأي العام، خاصة وأن المواطنين عانوا طويلاً من موجات متتالية من الزيادات، التي كانت تُبرَّر دوماً بارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية وتكاليف الاستيراد. لكن عندما تنخفض تلك الأسعار، تختفي السرعة نفسها في التفاعل، ليبرز واقع غير متوازن: زيادات فورية وسريعة، مقابل تخفيضات بطيئة أو مؤجلة، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول آليات تسعير المحروقات.
وتشير معطيات متداولة إلى أن تأخير خفض الأسعار قد يكون مرتبطاً باعتبارات تجارية، من بينها تصريف المخزون الذي تم اقتناؤه في فترات سابقة بأسعار مختلفة. وإذا صحت هذه الفرضيات، فإنها تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول تضارب المصالح، خصوصاً في ظل وجود فاعلين اقتصاديين كبار في القطاع ضمن دوائر القرار.
ما يحدث اليوم لا يقتصر على تأخر تقني في مواكبة السوق الدولية، بل يعكس اختلالاً أعمق في تدبير قطاع حيوي، حيث يتحمل المواطن الكلفة في كل الحالات: عند ارتفاع الأسعار، وعند انخفاضها دون أن يستفيد من ذلك. كما يجد أرباب محطات الوقود أنفسهم بدورهم وسط هذه المعادلة، يبيعون بأسعار لا تعكس دائماً الكلفة الحقيقية، في غياب رقابة فعالة.
الأكثر إثارة للقلق هو تنامي الشعور بغياب المحاسبة والشفافية، إذ إن استمرار تحقيق أرباح كبيرة دون وضوح في آليات التسعير يعزز الانطباع بوجود ممارسات احتكارية، بينما يُقدَّم مفهوم “السوق الحرة” كواجهة فقط. ومع تداخل المصالح بين السياسة والاقتصاد، تتزايد الشكوك حول مدى استقلالية القرار العمومي.
في ظل هذه المعطيات، لم تعد التبريرات التقليدية كافية، ولا يمكن الاستمرار في تحميل السوق الدولية مسؤولية كل تأخير. فالمطلوب اليوم هو وضوح أكبر في تدبير هذا القطاع، وعدالة حقيقية في نقل أثر التغيرات العالمية إلى السوق المحلية، بما يضمن حماية القدرة الشرائية للمواطنين.
في النهاية، يفترض أن يشكل انخفاض أسعار النفط فرصة لتخفيف العبء على الأسر المغربية، لا مناسبة إضافية لتعميق الإحساس بعدم الإنصاف. فالمعادلة العادلة تبقى بسيطة: إذا ارتفعت الأسعار بسرعة، فمن الطبيعي أن تنخفض بالوتيرة نفسها، بعيداً عن أي حسابات ضيقة أو مصالح متشابكة.