حين تُصاب أخلاق البعض بعطب في “كان المغرب.

حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي

من السذاجة أن نختزل ما وقع في “كان المغرب” في شتيمة هنا، أو حركة هناك، أو تصريح عابر انفلت من لاعب متحمّس.
فالأحداث، حين تتكرّر، لا تعود حوادث… بل تتحوّل إلى نمط سلوك.
والنمط لا يُدان أخلاقيًا فقط، بل يُفكَّك فكريًا، لأنه يكشف ما هو أعمق من كرة تُركل، أو مباراة تُلعب، أو جمهور يصرخ.
الكان سينتهي، كما انتهت كل الكؤوس قبله. بتسجيل اسم الفائز، وذكر الأرض التي احتضنته، ثم يُطوى الملف رياضيًا.
لكن ما لن يُطوى، وما سيبقى عالقًا في ذاكرة الذاكرة، هو تلك اللحظات التي خرجت فيها التظاهرة من كونها منافسة كروية إلى مرآة فاضحة للوعي الجمعي.
كما في الجانب المضيء من الصورة، حيث وقف رجل واحد ،لا يصرخ، لا يشتم، لا يستفز. يقف فقط.120 دقيقة من الصمت المتأنّي، والجسد المنتصب، والنظرة الثاقبة.
ميشيل نكوكا مبولادينغا، المشجع الكونغولي، الذي اختار أن يُشجّع منتخب بلاده بجسد جدّه المناضل، الرمز الإفريقي الكبير باتريس لوممبا.


لم يكن استعراضًا ،لم يكن تهريجًا ، بقدر ما كان ذاكرة تمشي على قدمين.
وفي زمن صار فيه التشجيع سبًّا، والغيرة شتمًا، والحماس انفلاتًا، جاء هذا الرجل ليُذكّر القارة أن إفريقيا أنجبت رموزًا قاومت الاستعمار، لا مهرّجين يستخفون بالمعنى.
وهنا تحديدًا بدأت فضيحة النبالة، حين تقع في بيئة فقيرة أخلاقيًا، تُستقبل دائمًا بالسخرية، والتاريخ، حين يُطرق باب الجهل، يُطرد بضحكة مستهترة.
سخر لاعب ، استهان إعلام ، تبول مشجع ، تبرز آخر– حرفيًا – في قلب ملعب جميل، شُتم جمهور البلد المضيف،وسُرقت كرات من مخازنها، لا من اللعب.
أي صدفة هذه؟ أي تزامن بريء هذا؟
يينا أنا ليست حالات فردية، كما يحاول البعض ترقيع المشهد،بل سلسلة متكاملة: إساءة في المدرج ، إهانة في الميدان ، سخرية على الشاشة…
حين تتوزع الوقاحة بهذا الانسجام، فالمشكلة لم تعد لاعبًا متهورًا، ولا مشجعًا “منفلتًا”، بل عقلية تشرعن القبح، وتدافع عنه، وتُلبسه ثوب الجرأة.
وحين ردّ ميشيل نكوكا مبولادينغا، لم يشتم.
لم يتوعد، لم يطالب بعقاب ، قال فقط ما يشبه صفعة أخلاقية هادئة: “إهانة رمز من رموز أي بلد لا تصدر إلا عن إنسان قليل الأخلاق وقليل الحياء”…


ثم فعل ما لم يتوقعه أحد: اختار أن يظل يشجع المنتخب المغربي، تكريمًا لحسن الضيافة، لا نكاية في أحد.
هنا انقلب المشهد، وتحوّلت كل تلك الصراخات إلى ضجيج فارغ ، وبدا واضحًا أن المنتصر الحقيقي لم يكن من سجل هدفًا، بل من حافظ على إنسانيته.
وحين تسارع اليوم الحديث عن “احتواء أزمة دبلوماسية” مع الكونغو، ندرك حجم المفارقة:الديبلوماسية تتحرّك متأخرة، بعد أن تكسّرت الأخلاق علنًا، وبعد أن شاهد العالم أن المشكلة ليست في “سخرية لاعب”، بل في تطبيع الإهانة ، بين من دنّس المكان، ومن أهان الإنسان، ومن شتم الجمهور، ومن سخر عبر الشاشات…
لتتضح الحقيقة القاسية: أن الوعي الجمعي حينما يغيب ، يصبح الخطأ ثقافة، والدفاع عنه عادة، والاعتذار عنه ضعفًا.
فتحية لميشيل نكوكا مبولادينغا، لا لأنه مشجع مثالي فقط، بل لأنه – دون أن يقصد – كشف عُري سلوك كامل.
ورحمة الله على باتريس لوممبا،
الذي عاد، ولو للحظات، ليقف شامخًا في مدرجات كرة القدم… بينما سقط آخرون، لا بالهزيمة، بل بسوء التربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *