أكادير لم تكن استثناءً، بل مجرّد مرآة لوجه قطاع صحي يتداعى. وفي أيام معدودة، رحلت ست نساء بعد عمليات قيصرية في المستشفى الجهوي الحسن الثاني، فاشتعل غضب الشارع، وارتفعت الأصوات في المظاهرات تطالب بالعدالة. ردّ فعل الوزارة كان سريعاً شكلياً: إعفاء مسؤولين، وتطمينات بفتح تحقيقات “حالة بحالة”. لكنّ ما جرى لم يكن مساءلةً ولا محاسبةً؛ كان فقط امتصاصاً للغضب. في بلد يعلن أنه يسير نحو تعميم الحماية الاجتماعية، وأنه دشّن إصلاحات تاريخية في المنظومة، لم يُقدَّم للشعب تقرير واحد يشرح: أين وقع الخلل؟ من المسؤول؟ وكيف نضمن ألا يتكرر؟
المغرب قطع أشواطاً في النصوص: قانون إطار، إصلاح “راميد” وإدماجه في “AMO تضامن”، إحداث المجمّعات الصحية الترابية لتقريب القرار من المواطن. لكن على الأرض، تبقى الورشات حبراً معلّقاً. المستشفيات تعاني من نقص حاد في الموارد البشرية، خصوصاً أطباء التخدير والإنعاش والنساء والتوليد. التجهيزات تتعطل بلا صيانة منتظمة. القرى والمناطق الجبلية تظل رهينة مسافة طويلة للوصول إلى رعاية قد تعني الفرق بين الحياة والموت. كل هذا يتقاطع مع أزمة تمويل، إذ أن الانتقال نحو التغطية الشاملة خلق طلباً متزايداً دون رفع العرض بالسرعة المطلوبة. النتيجة: اكتظاظ، طول انتظار، واستنزاف للأسر التي تضطر للجوء إلى المصحات الخاصة أو للسفر إلى الدار البيضاء ومراكش.
ما وقع في أكادير له جذور عميقة. هو نتاج عقود من الإصلاح بالتقسيط، ومن التسيير الذي يضع “المشهد” قبل “النظام”. الإقالات وحدها لا تكفي، بل تكشف أننا نعيد إنتاج الخطأ نفسه: نقايض الغضب الشعبي برؤوسٍ تُعفى دون أن تُحاسَب. وبهذا، يستمر نزيف الثقة.
الحلول ليست غائبة، لكنها تحتاج إلى إرادة فعلية: بروتوكولات إلزامية لسلامة الولادة، لجان تدقيق تنشر تقاريرها للرأي العام، وحدات صيانة بيوطبية جهوية مستقلة، دعم عاجل لتخصصات التخدير والإنعاش، لوحات قيادة تُعلن المؤشرات كل شهر، ونظام شكايات مُلزم بالرد. نحتاج إلى مجلس مواطني يراقب مباشرة صرف الميزانيات الجهوية، ونحتاج إلى تعاقد مع الجماعات لتمويل النقل الصحي المجهز والمضمون. نحتاج إلى أن تتحوّل العدالة الترابية من شعار إلى ممارسة ملموسة: قابلات مجتمعيات، مسارات وقائية للحمل عالي الخطورة، وأولوية في الاستثمار لمناطق التهميش.
البعد السياسي حاضر أيضاً: فالمجتمع يراقب كيف تُدار أزماته. حين يكتشف المواطن أن الإصلاحات كُتبت لتُقرأ أكثر مما صُممت لتُنفذ، تترسخ القناعة بأن صحته ليست أولوية، بل ورقة تفاوض. والبعد الاقتصادي لا يقل خطورة: عجز “AMO” وارتفاع كلفة التعاقد مع الخاص يهددان استدامة الورش كله. دون شفافية في الأثمان المرجعية، ودون ربط التمويل بالنتائج، ستظل المليارات تتبخر دون أثر في حياة الناس.
التاريخ يقول لنا إن قطاع الصحة في المغرب ظل دائماً مرآة للخيارات الكبرى: مركزية القرار، ضعف الجاذبية للمهن، تباين حضري-قروي صارخ. وأحداث أكادير اليوم تذكّرنا أن تراكم هذه العوامل يقود دائماً إلى الانفجار في نقاط حساسة مثل الولادة. السياسة الصحية ليست أرقام ميزانية فقط، بل حياة ملموسة تُفقد كل يوم.
المطلوب اليوم ليس إعفاءات جديدة، بل شجاعة نشر الحقيقة كاملة. المطلوب ليس “تدبير الغضب”، بل بناء ثقة بآليات محاسبة حقيقية. المطلوب ليس الاكتفاء بوعود الإصلاحات، بل التزام بخطة زمنية معلنة تقاس بالمؤشرات والنتائج. فالصحة لا تُدار بالشعارات ولا بالبلاغات، بل بقرار صلب يضع الإنسان في المركز. وما حدث في أكادير ليس مجرد أزمة محلية، بل نداء وطني: إما أن نبني منظومة تحمي حياة المواطن بكرامة، أو نستمر في المقامرة بها بالصدفة .