حميد طولست
تمهيد: قراءة في خطاب السيدة ليلى المرنسي – رئيسة المرصد الوطني لحقوق الإنسان جدور ، ورئيسة جمعية كفاءات مواطنة للتنمية وصانعة محتوى- لمحاولة رشيد الفايق العودة إلى واجهة الأحداث، وما تعكسه من عمق الغضب الشعبي الفاسي.
لم تكن كلمات السيدة ليلى المرنسي، مجرّد تعبير عن انفعال شخصي تجاه رشيد الفايق، الرئيس السابق لجماعة أولاد الطيب والمعتقل السابق على خلفية قضايا فساد ثقيلة، بل كانت بمثابة صرخة من عمق مدينة جريحة، استُبيحت خيراتها، وخُدرت إرادة ناخبيها، وأُهين فيها معنى السياسة النبيل.
ففي رسالة مفتوحة، تفيض مرارةً وصدقًا، استنكرت المرنسي محاولة الفايق العودة إلى واجهة الأحداث، من خلال شكاية وصفتها بـ”الغريبة”، موجهة إلى سكان فاس، وكأن ذاكرة الناس قصيرة، أو كأن دماء الضعفاء التي أُريقت تحت عجلات “إمبراطورية الفايق” قد جفّت ولم تعد تذكرهم بشيء!
تقول السيدة ليلى: “لم أتمنّ لك الشر ولا السجن، حتى إن كنت عدوي…”، وهذه جملة تنسف سلفًا أي محاولة لتأويل خطابها باعتباره تحاملًا أو شماتة. لكنها، في الآن ذاته، تؤكد أن حركته الأخيرة استفزت إحساسها بالعدالة والكرامة. فهو ـ في نظرها ونظر كثير من الفاسيين ـ لم يكن مجرّد مسؤول سيء، بل كان رأس الفساد، ومهندسه، وصانعه، وأحد أبرز رموزه في الإقليم.
فكيف، إذًا، يُسوّق نفسه فجأة كشاهد على الفساد؟ من ذا الذي يُصدّق أن من بنى مجده السياسي على خراب الجماعة ونهب المال العام، وتحويل التسيير المحلي إلى ملكية شخصية مغلقة، يمكنه اليوم أن يتقمّص دور الضحية أو المصلح أو المبلغ؟
أسئلة كثيرة تثيرها هذه “الحركة الأخيرة” للفايق، في سياق دقيق، تُطل منه الانتخابات الجماعية لسنة 2026، حيث تسيل لعاب من ألفوا ركوب الأمواج الشعبوية واستثمار آلام الناس لبناء حملات مغلفة بالوهم والبروباغندا. غير أن فاس ليست غبية، ولا ناسها بلا ذاكرة. هم يذكرون جيدًا “هندسة” الفايق لاستحقاقات 2021، والتي أنتجت كائنات سياسية هجينة، وصفهم أبناء المدينة بـ”العاهات السياسية”، لما عرفته تلك الفترة من عبث انتخابي غير مسبوق، وحملات ولائمية، وشراء ذمم، وانتهاك للقانون والأخلاق والدولة.
لقد أوجزت السيدة ليلى بكلماتها البسيطة والعفوية مشاعر الغالبية، حين خاطبته قائلة: “وجه الله يلاما ترجع تنعس وهنينا…”. وهي عبارة كاشفة، موجعة، تختزل الغضب، وتطلب الرحمة من عبث رجل أنهك المدينة، وساهم في تضييع فرصها، وبثّ فيها الإحباط، وجعل الناس يكفرون بكل ما له صلة بالانتخابات والسياسة.
فليعلم الفايق ـ ومن يفكر مثله ـ أن زمن التلاعب بالعقول قد ولى، وأن “الخبرة” التي يقترحها البعض لفهم سلوكه، ليست طبية بقدر ما هي سياسية وأخلاقية، لأن فاس التي كانت يومًا عاصمة للعلم والحكمة والكرامة، لا تحتمل مزيدًا من الابتذال