اعداد بدر شاشا
إشكالية استقبال المواطنين في الإدارات والمرافق العمومية ليست تفصيلا بسيطا ولا مسألة شكلية، بل هي جوهر العلاقة بين الدولة والإنسان. هي اللحظة الأولى التي يلتقي فيها المواطن بالمؤسسة، اللحظة التي يتكون فيها الانطباع، إما شعور بالاحترام والانتماء أو إحساس بالإهانة والتهميش. في تلك الدقائق القليلة يتقرر الكثير، ليس فقط مصير ملف أو وثيقة، بل صورة كاملة عن معنى المواطنة.
في المغرب، يدخل المواطن إلى الإدارة وهو محمّل بتجارب سابقة، بخيبات، بتوتر، أحيانا بخوف. يأتي من مدينة أو من قرية بعيدة، من حي منظم أو من دوار ناءٍ، متعلم أو أمي، يفهم لغة الإدارة أو لا يفهم منها شيئا. لكنه في النهاية إنسان جاء ليقضي غرضا، لا ليُختبر في الصبر ولا ليُحاسب على مستواه أو أصله.
المشكل يبدأ حين يُفترض أن الجميع يفهم بالطريقة نفسها، ويتكلم بالطريقة نفسها، ويعرف المساطر نفسها. الإدارة أحيانا تتعامل مع المواطن وكأنه موظف مثلها، يعرف القوانين والمصطلحات والنماذج. لكن الواقع مختلف تماما. هناك مواطن لم يدخل مدرسة في حياته، وهناك من درس لكنه لا يفهم لغة التعقيد الإداري، وهناك من جاء من قرية بعيدة استيقظ قبل الفجر، قطع عشرات الكيلومترات، صرف ما يملك على النقل، فقط ليُقال له “ارجع غدا” أو “نقصك ورقة”.
الصبر في الاستقبال ليس تفضلا ولا إحسانا، بل واجب أخلاقي ومهني. الموظف ليس في مواجهة خصم، بل أمام إنسان يحتاج إلى توجيه. الفهم ليس ضعفا، بل قوة. حين يشرح الموظف بهدوء، حين يكرر المعلومة، حين يختار كلمات بسيطة، فهو لا ينزل من قيمته، بل يرفع قيمة المؤسسة التي يمثلها.
الفرق بين متعلم وغير متعلم لا يجب أن يكون جدارا. الإدارة وجدت لتخدم الجميع، لا فئة دون أخرى. المواطن غير المتعلم لا يجب أن يشعر بالنقص أو السخرية أو الاستعلاء. نظرة واحدة، كلمة جافة، نبرة صوت قاسية، كافية لتحطيم كرامة إنسان. وفي المقابل، كلمة طيبة، ابتسامة بسيطة، شرح واضح، قادرة على تحويل تجربة مرهقة إلى إحساس بالاحترام.
أما الفرق بين من هو من المدينة ومن جاء من قرية بعيدة، فهو فرق مؤلم حين لا يُفهم. ابن المدينة قد يعود غدا بسهولة، لكن القادم من القرية ربما لا يملك ثمن الرجوع، ربما ترك أرضه أو عمله، ربما لا يعرف الطريق أصلا. حين يُطلب منه أن يعود دون شرح أو تعاطف، فهو لا يعود فقط بخيبة إدارية، بل بجرح نفسي عميق.
الإدارة التي لا تفهم هذا التنوع تفشل في دورها الإنساني. لأن المواطن ليس ملفا، وليس رقما، وليس عبئا. هو سبب وجود الإدارة من الأصل. كل سياسة عمومية، كل مؤسسة، كل موظف، وجد ليخدم هذا المواطن باختلافه، بلغته، بمستواه، بظروفه.
الصبر لا يعني الفوضى، والتنظيم لا يعني القسوة. يمكن للإدارة أن تكون صارمة في المساطر، لكنها إنسانية في التعامل. يمكنها أن تطبق القانون، دون أن تسحق الإنسان. المشكل ليس في القوانين، بل في طريقة تنزيلها. القانون بلا روح يتحول إلى أداة ضغط، بينما القانون المصحوب بالفهم يتحول إلى حماية.
كثير من التوترات داخل الإدارات ليست بسبب سوء نية المواطن، بل بسبب سوء تواصل. المواطن لا يفهم، فيُتَّهم بالعناد. يسأل، فيُنظر إليه كأنه يضيع الوقت. يخطئ في ورقة، فيُعامل كأنه ارتكب جريمة. بينما الحقيقة أبسط من ذلك، هو فقط لم يجد من يشرح له.
بناء إدارة محترمة لا يحتاج ميزانيات ضخمة فقط، بل يحتاج ثقافة جديدة. ثقافة ترى في المواطن شريكا لا خصما، وترى في الاختلاف ثراء لا إزعاجا. ثقافة تُدرّس للموظف قبل أن تُطلب من المواطن. لأن من يملك المعلومة والسلطة هو الأجدر بالصبر لا العكس.
الكرامة لا تُجزّأ. لا تُمنح للمتعلم وتحجب عن الأمي، ولا لابن المدينة دون القروي. الكرامة حق، والاستقبال أحد تجلياتها. حين يُهان المواطن في أول باب، فلن يثق في باقي الأبواب.
هذا الكلام ليس هجوما على الموظفين، فكثير منهم يشتغلون بضمير وفي ظروف صعبة وضغط كبير. لكنه دعوة صادقة لإعادة التفكير في العلاقة. دعوة لجعل الاستقبال فعلا إنسانيا قبل أن يكون إجراءً إداريا. دعوة لأن نفهم أن الدولة تُقاس أحيانا بطريقة كلام موظف بسيط أكثر مما تُقاس بخطابات كبيرة.
حين نصبر على المواطن، نفهمه، نراعي اختلافه، نكون قد خدمنا أنفسنا قبل أن نخدمه. لأن إدارة بلا إنسانية تولد غضبا، وغضب يتراكم، وتراكم يهدم الثقة. أما إدارة تفهم وتصبر، فتبني جسورا صامتة أقوى من ألف شعار.