حين يلبس الفشل ربطة عنق حزبية

حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في مسرح السياسة المغربية، يبدو أن الممثلين نفسهم لم يملّوا من أداء نفس المسرحية القديمة وترديد حوارها “البايخ”أنا لست المسؤول… إنه إرث الماضي الذي تركه الآخر!
إنها النسخة الحديثة من كوميديا “غسيل الأيادي السياسية”، بطولة نزار بركة وفاطمة الزهراء المنصوري، وإخراج جماعي لحكومة تتحدث بلغة الأرقام بينما الشعب يعيش بلغة الأسعار.
فبينما يتهاوى حزب التجمع الوطني للأحرار تحت ضغط الشارع واحتجاجات جيل Z، خرج رفاقه في الائتلاف، من “الاستقلال” و”البام”، في حملة إنقاذ عاجلة… لكن ليس لإنقاذ الوطن، بل لإنقاذ صورتهم الحزبية من الغرق.
فالمنصوري –التي يبدو أنها قررت أخيرًا أن تتذكر وجود شارع في المغرب– سارعت إلى “التفاعل” مع الغليان الشعبي، وكأنها تقول للمغاربة: “ها أنا تفاعلت، نزلوا الضغط شويا”.
أما المهدي بنسعيد، فاختار أن يطلّ عبر “ميدي 1” ليعترف ضمنيًا بفشل الحكومة، محاولاً إقناعنا أن الحوار مع المحتجين هو الحل، وكأن “الدردشة” ستحلّ مكان السياسات العمومية.
ولمّا لم يكفِ كل ذلك “التنوعير” ، أرسل الحزب صلاح الدين عبقري –بصفته رئيس الشبيبة ورئيس لجنة العلاقات العامة مع فرنسا– ليظهر على قنوات باريسية ويتحدث عن تفاعل حزبه مع الشباب، وكأن الشباب المغاربة يتابعون قنوات فرنسية لمعرفة مستقبلهم في حي فاس الجديد أو حي التقدم أو لقريعة وسيدي مومن!
أما حزب الاستقلال، فقد دخل هو الآخر اللعبة بطريقته الكلاسيكية:
نزار بركة، وزير التجهيز والماء، ظهر على القناة الثانية في برنامج “نكونو واضحين”، لكنه لم يكن لا واضحًا ولا وزيرًا، بل كان أمينًا عامًا لحزبٍ يريد تبرئة نفسه من حكومة هو أحد أعمدتها. الرجل أراد إقناعنا أن التحالف الحكومي كان “طاجين” محترق: كل مكوّن فيه يحمّل الآخر مسؤولية الاحتراق، ولا أحد يعترف أنه نسي الطاجين على النار.
المغاربة –لحسن حظهم أو لسوئه– لم يعودوا يشترون هذه البضاعة السياسية المستعملة. وهم يعرفون أن المسؤولية جماعية، وأن الهروب من المحاسبة أصبح رياضة حزبية وطنية.
المنصوري وبركة يتصرفان كمن أشعل النار في البيت ثم هرع إلى الجيران ليقدّم لهم دلو ماء فارغ ويقول: انظروا، نحن نحاول الإطفاء!
لكن الناس في الشارع لم يعودوا ينتظرون إطفائيين متأخرين. وقالوا كلمتهم ببساطة: “كفى تبريرًا، نريد كرامة وعدالة وصوتًا يسمعنا، لا يتحدث باسمنا”.
ومع ذلك، يصرّ قادة الأحزاب على تكرار النصيحة التقليدية العجيبة:
“أيها الشباب انخرطوا في الأحزاب، فالحل في المشاركة السياسية.”
جميل! لكن السؤال: في أي حزب سينخرطون؟
هل في تلك التي فقدت روحها وتحوّلت إلى متاحف للشعارات القديمة؟
أم تلك التي توزع المناصب بين أبناء وبنات العائلة السياسية الواحدة؟
أم الأحزاب التي تتنافس في مسابقات “من يبرر الفشل أكثر”؟
أم تلك التي اختزلت الوطنية في الولاء، والسياسة في التصفيق؟
الحقيقة أن الشباب لم يهجروا الأحزاب… لكن الأحزاب هي التي هاجرت الشباب، وأغلقت مقراتها بالمفاتيح وعلّقت على الباب لافتة تقول: “سنعيد فتح الباب عند الانتخابات”.
المطلوب اليوم ليس أن ينخرط الشباب في أحزاب شبه سريرية، بل أن تُشفى هذه الأحزاب أولًا من أمراضها المزمنة: النفاق، الزبونية، وتوريث الكراسي.
ربما عندها فقط يمكن أن نصدق أن السياسة ليست مسرحًا ساخرًا… بل شأنًا عامًا يستحق الاحترام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *