حطاب الساعيد
منذ اعتلائه العرش، حرص جلالة الملك محمد السادس نصره الله على أن تكون خطاباته بمثابة خارطة طريق لمغرب جديد أكثر عدالة، أكثر كفاءة، وأكثر قربا من المواطن. خطابات تفيض بالمسؤولية والقلق على حاضر البلاد ومستقبلها، تحمل في طياتها رسائل قوية موجهة للنخب والمؤسسات، وتشخص الأزمات بروح نقدية غير مسبوقة. لكن السؤال المر: لماذا لا تنفذ على أرض الواقع؟ ولماذا تدهس هذه التوجيهات تحت أقدام الفساد والمحسوبية؟
الملك دعا في أكثر من مناسبة إلى محاربة الريع، إصلاح الإدارة، تجديد النخب، وتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية. لكنه بنفسه عبر في خطابات لاحقة عن استيائه من ضعف التنفيذ، وتباطؤ الإصلاحات، وكأن بينه وبين من يفترض أن ينفذوا أوامره “صم بكم لا يفقهون”.
الفساد في المغرب لم يعد مجرد اختلاس مال عام، بل تحول إلى منظومة متكاملة تحمي الفاشلين، وتقصي الكفاءات وتعرقل أي مبادرة حقيقية للتغيير. الوزارات والإدارات تدار بمنطق الولاء لا الكفاءة. المناصب تمنح بالمحاباة لا بالاستحقاق. والصفقات تفصل على مقاس المستفيدين لا على حاجة المواطن.
فحين يقول الملك: “نريد مغربا لا يقصي أحدا…” ولا “نريد المغرب بسرعتين..”، تستمر الحكومات في إعادة إنتاج نفس الوجوه التي فشلت لعقود. وحين ينبه إلى خطورة الفوارق الاجتماعية، نجد تقارير رسمية تؤكد أن الهوة بين الفقراء والأغنياء تتسع، فهل نحن أمام خيانة صامتة للتوجيهات الملكية؟ أم أن هناك من يعتبر القصر يشتغل في جهة، والدولة العميقة في جهة أخرى؟
المؤسف أن خطابات الملك تحولت عند بعض المسؤولين إلى مجرد لحظات بروتوكولية يصفقون لها في القاعة، ثم يتناسون مضمونها عند الخروج منها. لا التزامات تفعل ولا محاسبة تفعل، وكأن من تحدث ليس هو رأس الدولة بل مجرد معلق سياسي.
الخطير اليوم ليس فقط فشل السياسات العمومية، بل انفصالها عن الإرادة الملكية الصادقة في الإصلاح. وهذا ما يفرغ الخطاب من مضمونه ويفتح الباب لليأس الشعبي ويفقد المواطن ثقته في الدولة.
الملك وضع القطار على السكة، لكن هناك من يسحب السكة كل مرة إلى الجهة المعاكسة. فهل من رادع؟ وهل من جهة تضع حدا لهذا العبث؟ أم سنستمر في دفن التوجيهات الملكية تحت ركام المصالح والصفقات والفساد المتجذر؟
إذا لم تتحول الخطابات إلى سياسات، والتوجيهات إلى التزامات، فإننا لا نسيء فقط إلى مؤسسة الملك، بل نجهض مستقبل وطن بأكمله.