حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في إحدى أمسيات رمضان، وجدت نفسي مدعوًا إلى مأدبة إفطار عند أحد الأصدقاء المغاربة المقيمين بمدينة بينالمادينا الإسبانية. حضر المأدبة عدد من المهاجرين المغاربة، ومن بينهم شيخ بدا من اللحظة الأولى أنه لا يستطيع الجلوس طويلاً دون أن يحول الجلسة إلى درس ديني مرتجل.
وبالفعل، ما إن انتهينا من التمر والشوربة حتى فتح الشيخ خطبته المحفوظة عنن ظهر قلب، لكن الغريب أنه لم يختر موضوعًا عن الصبر أو الرحمة أو أخلاق الصيام، بل اختار موضوعًا عن “فساد الغرب وانحلاله” يبدو أنه يحبه كثيرًا.
فحدثنا بغيرة عظيمة عن خطورة الاختلاط، وعن انحلال أخلاق الإسبان، وعن ضرورة الحذر من هذه البلاد التي وصفها، بلهجة الواثق، بأنها “بلاد كفر”.
حتى هنا، كان كل شيء يبدو عاديًا ، لو أن الخطبة ألقيت في قرية نائية منسية في جبال الأطلس ، لكن المفارقة المضحكة المبكية جدًا هي أن الشيخ كان يلقي خطبته هذه في إسبانيا نفسها ، وبالضبط في بينلمدينا المنتجع السياحي المكتظ بالسياح والذي قررت أن اقضي فيها رمضان لهذه السنة.
بل والأدهى من ذلك أنه كان يفعل ذلك تحت سقف بيت اشتراه صاحبه –مضيفنا – بقرض من بنك إسباني، وفي بلد توفر له الدولة فيه الضمان الاجتماعي والعلاج المجاني وتعليم أبنائه في المدارس والجامعات. الإسبانية.
وهنا تبدأ الكوميديا الحقيقية.
فالشيخ يحذرنا من “فتنة الغرب”، لكنه لا يرى أي فتنة في إرسال أبنائه إلى مدارسسه وجامعاته. ويحذرنا من أخلاق الأوروبيين، لكنه لا يجد حرجًا في العيش بين ظهرانيهم. ويصف البلد بالكفر… ثم يتوجه في اليوم التالي إلى مصلحة الضرائب أو الضمان الاجتماعي ليستفيد من خدماته بكل طمأنينة إيمانية ، لأن الغرب في نظره ، باختصار، مكان فاسد أخلاقي ، لكن لا بأس به إطلاقًا عندما يتعلق الأمر بالرواتب، والعلاوات ، والمساعدات ، والتعليم، والمستشفيات، والأمان ، والذي يمكن اعتباره نوعا جديدا من الفقه الذي يمكن تسميته:”فقه الاستفادة من الكفار”.
وهنا يطرح العقل سؤالًا بسيطًا جدًا:إذا كانت هذه البلاد جهنم كما تصفونها، فلماذا هربت إليها شيخنا المبجل ؟
ولماذا يخاطر الملايين بأرواحهم في قوارب الموت للوصول إلى هذه “الجهنم وغيرها من الجهنمات الأوروبية”؟
ولماذا لا نرى قوارب ممتلئة بالإسبان تحاول الهجرة إلى الدول التي ترفع شعار “الحكم بما أنزل الله”؟
والغريب أن الإسلام نفسه أكثر عقلانية من بعض من يتحدثون باسمه ، حيث لم يقل يومًا إن كل ما عند الغرب شر مطلق، كما لم يقل إن كل ما عند المسلمين خير مطلق، وكان مع القاعدة البسيطة التي تقول:الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.
بل إن التاريخ الإسلامي يقدم مثالًا واضحًا لا يستطيع أي شيخ تجاهله:
حين اشتد الظلم على المسلمين الأوائل، هاجر بعض الصحابة إلى الحبشة لأنها كانت تحكم بملك عادل هو النجاشي ، وكانت الحبشة آنذاك دولة غير مسلمة ، لكن الصحابة لم يسألوا يومها:هل هي دار كفر أم دار إيمان؟ بل سألوا سؤالًا أبسط بكثير:هل فيها عدل أم لا؟
وهنا تكمن العقدة الحقيقية.
فالمشكلة ليست في الإسلام، بل في استبداد من يرفع شعار الإسلام بينما يغرق في الظلم والجهل ، الإسلام يتحدث عن العدل لكن بعضهم يتحدث عن الإسلام ، وتنسى العدل ، الإسلام يتحدث عن العلم لكن بعضم يكتفي بالخطب ، الإسلام يتحدث عن العمل ،لكن بعض الشيوخ يفضلون الحديث عن فساد الغرب ، وهم يعيشون فيه.
ولكي نكون منصفين، فالغرب ليس جنة على الأرض كما يتصور بعض الحالمين، ولا جهنم كما يصفه بعض الشيوخ.
هو ببساطة مجتمعات نجحت في بناء شيء بسيط جدًا يبدو أنه صعب المنال في أماكن أخرى هو: “دولة العدل وقانون” ، الذي قيل عنما في حكمة شهيرة:إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.
إذن القضية ليست: قية غرب ضد إسلام ، لأنها هي ببساطة: قضية عدل وعلم وعمل ، مقابل ظلم وجهل وخطب طويلة بعد الإفطار.
أما أكثر ما يثير السخرية أثناء هذه الوليمة الفطورية ، هو أن اكثر الحاضرين كانوا مع الشيخ في هجومهه على المجتمع الإسباني ووصفه بالفساد، وهم يعيشون بين احضانه ويستفيدون من كل ما فيه.
إنهم يشبهون من يشتم المطعم وهو يأكل من مائدته، الذي نقول عنه في المثل الدارج:”تيكل الغلى ويسب الملة”.
ولو كان هؤلاء صادقين قليلًا مع أنفسهم، لقالوا الحقيقة كما هي:
المشكلة ليست في الإسلام، ولا في المسيحية، ولا في الشرق،
ولا في الغرب ، المشكلة في بعض الشيوخ الذين اكتشفوا أن أسهل تجارة في العالم هي تجارة الدين.
فهم يبيعون الخوف للناس، ويشترون به السلطة على عقولهم.
أما الضحية الأولى لهذا السوق الرائج ، فهو الدين نفسه.