خواطر رمضانية 1

حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي

 

عندما تُصفَّد الشياطين ، وتنهق الحمير ،وتُطلَق التُّهم !
في أول يوم من رمضان، حيث تُعلَّق العقول على مشجب الصيام ، وتُصفَّد الأسئلة قبل الشياطين، اقترب “محشش” من فقيه الحومة بسؤال بريء ، بريء إلى حد الجريمة: آ سي الفقيه، واش بصّح الشياطين كيتربطو -أي يتصفدون- فرمضان؟
أجاب الفقيه بثقة رجلٍ لم يُرهق نفسه يومًا بالشك: نعم.
ابتسم “لمحشش”، ثم استأنف بحذر لغوي: واش ما كتنْهَقش الحمير غير ملي كتشوف الشياطين؟
رد الفقيه، وقد انتقل من مقام العلم إلى مقام اليقين المطلق: طبعًا.
هنا فقط، أخرج “لمحشش” قنبلته المنطقية من تحت الجلّابة: مبتسما ابتسامة من فهم اللعبة متأخرًا: إيوا كيفاش الحمير كتشوف الشياطين وهما مربوطين “مصفدين”؟ بمعنى آخر شكون اللي كيتشاف، وشكون اللي مصفد، وشكون اللي غير كيتخيّل؟
كان السؤال بسيطا، لكن تأثيره كان كافيا لإرباك منظومة كاملة.
تجمّد الهواء ، اختلطت القواعد ، ارتبك الفقيه، تلعثم، لم يُجِب ،لم يُناقش ، لم يُفكّر ، دار بعينيه بحثًا عن مخرج، بعد أن تبيّن له فجأة أن السلاسل لا تُوضَع دائمًا في المكان الصحيح ، فلم يجد سوى ذاك الباب الخلفي الذي يلجأ إليه كثيرون عند الإفلاس الفكري ليُسقِطوا السائل من خانة “يسأل” إلى خانة “مشبوه” بلا محاكمة وبلا شرح أو دليل أوتعليل أو منطق ، بتهمة نظيفة جاهزة، صالحة لكل الأزمنة، وتعمل بكفاءة أعلى من أي فتوى:— أنت كافر!
لكن “لمحشش” لم يستسلم، فالكفر – كما يبدو – يحتاج هو الآخر إلى توضيح:
— كافر بشنو آ سي لفقيه؟ كافر بالشياطين المصفدة؟ ولا بالحمير اللي كتهرنط ملي كتشوف شي حاجة ما خاصهاش تتشاف؟ ولا كافر بيك حيث ما عرفتش تحسم: واش اللي مصفد هو الشيطان، ولا العقل؟
هنا دخل ”لمحشش”منطقة الخطر متسائلا: وبالمناسبة، “تهرنيط” الحمير: واش تعبير عن الخوف؟ ولا عن الفرح؟ ولا احتجاج صامت على العبث التأويلي؟ راه حتى الحمير خاصها تفسير رسمي!
بلغ الفقيه ذروة العجز، فانتقل من سلطة الكلام إلى سلطة العكاز، ولوّح به صارخًا: أخرج من الجامع ديالي يا حشّايشي!
توقف “لمحشش” عند العتبة، واستدار بهدوء نحو الفقيه ومن تحلق به من “المحرنطين “قائلا: جامعك مسجدك؟! ياك هو بيت الله؟ ولا حتى بيوت الله دخلات فالتفويت، وولات تُسجَّل فالمحافظة العقارية باسم “سي لفقيه ومن جاور”؟
خرج “لمحشش ، وبقي المكان هادئًا، الكائنات والفقيه وحده، والكائنات مصفدة في الخطب والحمير تنهق في الواقع ،و الأسئلة المزعجة تصرخ في الواقع، والكفر تهمة جاهزة تُستعمل عند أول سؤال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *