حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
من غرائب هذا البلد الجميل أن الأمازيغي المغربي، كلما احتفل بهويته بهدوء، كلما أُعلنت حالة استنفار لدى فصائل تعاني من حساسية موسمية اسمها: أمازيغية.حساسية لا تُعالج بالأقراص ولا بالشراب، بل تتفاقم كلما ذُكرت الأرض، أو نُطقت اللغة، أو تذكّر الناس أن لهم تاريخًا أقدم من خطاباتهم المرتجلة.
فالإنسان الأمازيغي، منذ أن كان اسمه “إنسانًا” قبل أن يصبح “مكوِّنًا”، عُرف بثوابت لا تقبل التفاوض: غيرته على لغته، تشبثه بأصالته، ورفضه القاطع أن يُدار تاريخه بالريموت كنترول، لا من الشرق ولا من الغرب، لا باسم القومية ولا باسم الوصاية الدينية، ولا حتى باسم “نحن نعرف مصلحتكم أكثر منكم”.
هذا التعلق العنيد بالهوية المحلية، وهذا الإصرار المزعج على أن يكون المرء نفسه، هو ما جعل الشخصية الأمازيغية المغربية شوكة في حلق كل فكر قومجي أو إسلاموي يرى في التنوع خطرًا، وفي الذاكرة الحرة تهديدًا، وفي الإنسان المختلف “مشروع فتنة مؤجل”.
ولأن الحقد – كما يُقال – لا يُبدع، فقد لجأ الكارهون إلى أسهل الطرق: إنكار التاريخ حينًا، تزويره حينًا آخر، وإن فشل الأمران… نسبه لأنفسهم.
فصار الكسكس “عالميًا” بلا هوية، والعمران “تراثًا مشتركًا” بلا أصحاب، واللباس “فولكلورًا” بلا جذور، أما الأمازيغي نفسه… فمطالب دائمًا بتقديم شهادة حسن سلوك تثبت أنه “لا يقصد شيئًا” حين يتحدث عن ذاته.
والمضحك المبكي، أن المشكلة لم تكن يومًا في الأمازيغية ولا في من يعتز بها، بل في ما تذكّر به الآخرين من نقص مزمن، يعوَّض إما بالصراخ، أو بالتخوين، أو بادعاء امتلاك الحقيقة والتاريخ معًا.
ومن هنا، تصبح مسؤولية الفعاليات الأمازيغية – الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية – مضاعفة: حماية الوعي، تحصين الذاكرة، وتذكير الأجيال بأن التاريخ لا يُكتب بالانفعال، بل بالوقائع، ولا يُصان بالخرافة، بل بالمعرفة.
وفي مقدمة هذه الذاكرة الجماعية، يبرز رأس السنة الأمازيغية، لا كطقس فولكلوري للصور التذكارية، بل كتقويم أرضي عاقل، مرتبط بالفلاحة، بالدورة الطبيعية، وبمنطق “ما نزرعه اليوم نحصده غدًا”.
إنها ثاني أقدم سنة في العالم بعد العبرية، تُعرف بأسماء متعددة: إيض يناير، حاكوزا، السنة الفلاحية، الناير…
تختلف الأسماء، لكن المعنى واحد: الأرض أولًا، والخبز قبل الشعارات،
والعمل قبل الخطابة.
سنة ليست دينية لتُحرَّم، ولا عقائدية لتُصادَر، بل سنة الحياة اليومية، حيث يحتفل الناس بالكسكس بسبع خضر، وباللحوم، والمكسرات، والفواكه، ويجتمع ما فرّقته الإيديولوجيات.
ولأن الاعتراف بالتاريخ لا يُنقص أحدًا، فقد جاء اعتماد رأس السنة الأمازيغية عيدًا وطنيًا، ليس منّة، بل اعترافًا بجميل الأجداد، وحفظًا لذاكرة كادت تُطمس تحت ركام النسيان المتعمد.
واليوم، وقد صار هذا العيد تقليدًا راسخًا في القرى كما في المدن، وحدثًا اجتماعيًا وثقافيًا تتبناه الجمعيات والمؤسسات، بات ترسيمه كعطلة وطنية ضرورة رمزية وحضارية، لا تقل شأنًا عن غيرها من التواريخ الرسمية.
وفي الختام، وبمناسبة حلول السنة الأمازيغية 2976،
أقول لكل المغاربة، بمن فيهم من لا يزال يتوجس خيفة من المرآة: أسكّاس إسعدن إفولكين ، سنة أمازيغية سعيدة.
سنة تُصالح الإنسان مع أرضه، والتاريخ مع نفسه، والبعض… مع فكرة أن المغرب أكبر من رواية واحدة.
Asggwas Amaynu Amghudu