رمضان موسم الصيام وازدهار شرطة النوايا

حميد طولست كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

كعادتنا الجميلة، ومع أول هلال، لا نكتفي برؤية القمر، بل نُنشئ فورًا جهازًا أمنيًا متكاملًا: شرطة اجتماعية–دينية متنقلة، غير معترف بها دوليًا، لكنها نشيطة، يقظة، ومتفرغة بالكامل لمراقبة: من أكل؟ من شرب؟ من بلع ريقه بشبهة؟ ومن مرّ قرب “مول الحوت” بنظرة مريبة؟
في هذا الشهر الفضيل، يتحول الصيام من عبادة بين العبد وربه، إلى إجراء إداري جماعي، أشبه بالتجنيد الإجباري: لا أعذار، لا ملفات طبية، لا سفر، لا أدوية ،رمضان لا يعترف إلا بشيء واحد: أرِنا فمك فارغًا لنطمئن على إيمانك.
أما من لم يصم — لأي سبب كان — فهو مشروع متهم: إما مريض“بزيادة”،أو مسافر “غير مقنع”، أو حامل “كان يمكنها تأجيل الحمل”، أو مستعمل دواء “يبلعه بعد المغرب وخلاص”.
الدين، كما يبدو، أصبح يحتاج إلى اعتراف جماعي حتى يطمئن، وكأن الله — والعياذ بالله — لا يرى جيدًا دون تقارير الجيران.
تماما كما كنا ، ونحن صغارًا في حينا فاس الجديد ،نمارس هذا الدور النبيل ، وبنفس اللازمة ، لكن بكل براءة ،حيث كنا نشهر بمن شككنا في صيامه— دون دليل، دون تحقيق، ودون محامي —، نسير خلفه جماعة، ونهتف بنشيدن الرمضاني الخالد: “آآ وكّال رمضان… يا محروق العظام!”
كبرنا…لكن يبدو أن العظام فقط هي التي كبرت، أما العقل فظل صائمًا عن التفكير ، وأصبحنا اليوم لم نعد نطارد الناس في الزنقة، بل في فيسبوك، وتويتر، وإنستغرام، مع فارق بسيط: الآن نسمي التنمر “غيرة على الدين”، والعنف اللفظي “نصيحة”،والتحريض “أمرًا بالمعروف”.
كما حدث مع الكاتبة والفاعلة المدنية مايسة سلامة الناجي عندما صرّحت بأنها لا تصوم منذ سنوات، دون أن تطلب إلغاء رمضان، أو تدعُو إلى العصيان الغذائي، أو تؤسس “حركة الإفطار العلني”. ولم تقل فقط: هذا خياري.
لكن الرد كان حاسمًا: محاكم تفتيش رقمية، تخوين، تكفير، اتهام بالاستفزاز، وكأن الصيام يتبخر إن علمنا أن شخصًا آخر لا يصوم.
المفارقة؟ أن الدين نفسه، لم يُنشئ شرطة لملاحقة المفطرين، حتى في عهد النبي، لكن نحن — الحمد لله — طورنا الفكرة.
والغريب أن الله — في نصوصه — بدا متساهلًا جدًا مقارنة بنا: أعذار، رخص، فدية، اختيار، نية، رحمة ، بينما المجتمع اختصر كل ذلك في قاعدة واحدة: “صوم وسكّت”.
حيث يقول الله سبحانه: “لا إكراه في الدين”، والمجتمع يضيف:“إلا في رمضان، وإلا في الفضاء العام، وإلا إذا شفناه”.
والله يقول: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، وشرطة الحي تقول: “ومن شاء فليصم، ومن لم يصم فليختبئ”.
خلاصة مؤلمة ولكن صادقة ملخصا :أن الدين لا يحتاج إلى عضلات المجتمع، ولا إلى سبابه، ولا إلى فضائحه اليومية، لأن الصيام بلا حرية ،مجرد امتناع بيولوجي عن الأكل ، أما الصيام عن اقتناع، فهو وحده الذي له معنى.
ومن يصرّ على مراقبة أفواه الناس، فليطمئن: الجنة لا تُمنح بنقطة المراقبة، والنار لا تُملأ بتقارير الجيران.
الدين علاقة خاصة ، والصيام عبادة ، أما الوصاية، فهي هواية اجتماعية وعادة موسمية ، والعادة — للأسف — أقوى من العبادة عند البعض .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *