يبدو من خلال الأخبار والصور القادمة من ساحات الحرب الجارية في الشرق الأوسط أن إيران استوعبت الضربة الإسرائيلية الأولى التي جاءتها على حين غرة، وانتقلت من الدفاع إلى الهجوم بصواريخ ذات قدرة تدميرية كبيرة…
هذه أول مرة يشاهد العالم صواريخ تنزل في قلب تل أبيب وتقتل مدنيين وعسكريين وتُخلّف مئات الجرحى في صفوف يهود جاء آباؤهم أو أجدادهم إلى أرض فلسطين لأن قادة المشروع الصهيوني وعدوهم بأرض آمنة تُنهي معاناة اليهود في الأرض…
ترامب هذا الصباح يقول إن الحرب يجب أن تتوقف، فيما كان له رأي آخر قبل 48 ساعة، عندما وصف الاعتداء الإسرائيلي على إيران بأنه “عمل رائع”…
هذا الموقف الأمريكي الأخير معناه أولًا: أن تطورات الحرب لا تسير لصالح إسرائيل، وأن نظرية الحرب الخاطفة التي اعتقد نتنياهو أنها ستشل القدرات الإيرانية وتجعل احتمال ردها ضعيفًا من جهة، ومن جهة أخرى ستحرّض الشعب الإيراني ضد نظامه، لم تكن صحيحة إطلاقًا.
إيران مازالت قادرة على الرد على الاعتداءات الإسرائيلية، وحكاية تحريض الشعب على نظامه بواسطة طائرات F35 تقصف الأحياء المدنية في الليل، حكاية سخيفة جدًا…
ثانيًا: تصريحات ترامب تعني أن أمريكا لا تريد الدخول إلى الحرب مباشرة، وإن كانت يدها موجودة في هذه الحرب من حيث التجسس، ومن حيث توفير معلومات وإحداثيات المواقع العسكرية والنووية الإيرانية عن طريق الأقمار الاصطناعية…
اليوم، برميل النفط زاد أكثر من سبعة دولارات، وهذا معناه أن موجة من التضخم وارتفاع الأسعار في الطريق. كل هذا، ومازال في يد إيران أوراق أخرى تلعبها، وفي البحر، وتحديدًا في مضيق هرمز، أهم شريان عالمي لتدفق السلع والمحروقات إلى كل دول الكوكب…
ماذا لو أغلقت طهران هذا الشريان؟
هذه الحرب من الحروب الكبيرة التي تجعل هناك فارقًا كبيرًا ما بين ما قبلها وما بعدها.
في هذه الساعات، تُرسم موازين قوى جديدة وخرائط جديدة واستراتيجيات جديدة…
الصين أدانت الاعتداء الإسرائيلي على إيران، حتى وإن لم يتجاوز موقفها هذا التعبير الدبلوماسي، فإنه يبقى موقفًا مهمًا، وسيكون له ما بعده.
روسيا عبّرت عن نفس الموقف، وهي الآن تنشط للبحث عن مخرج لتطويق الحرب ومنعها من الاستمرار والتوسع…
ماذا جرى حتى أخطأ نتنياهو وفريقه الحساب في معركة مصيرية؟
1/ نتنياهو يعرف عقلية ترامب وقد احتك به، ويعرف أنه مستعجل لإيجاد تسوية مع إيران حتى دون تنازلات جوهرية عن مشروعها النووي، لهذا حرّك جيشه لمهاجمة إيران والقضاء عسكريًا على مشروع تطوير البرنامج النووي الإيراني، وفي الطريق أخذ معه ترامب، حيث أوهمه أن ضربة عسكرية خاطفة ومضمونة العواقب يمكنها أن تقود الإيراني إلى طاولة المفاوضات وهو منكسر ومجروح.
ومن ثم فإن إسرائيل ستقدم أفضل خدمة للمفاوضات الأمريكية الإسرائيلية…
لكن الحقيقة أن نتنياهو يريد – في أدنى المستويات – أن يُبقي على الحصار الاقتصادي الغربي على إيران، لأن الحصار يخنق النظام، وفي أقصى تقدير، يريد الإسرائيلي إسقاط هذا النظام الذي دعم عملية السابع من أكتوبر، وسلّح حماس والجهاد، ويقود جبهة رفض تحول إسرائيل إلى القوة الإقليمية الوحيدة في الشرق الأوسط.
2/ نتنياهو اعتبر أن إضعاف أذرع إيران الإقليمية، وغياب أي رد حاسم من قبلها بعد اغتيال حسن نصر الله، وتدمير الجزء الأكبر من قوته في لبنان، وبعد توجيه أكثر من ضربة إلى الحوثي في اليمن، وبعد خروج سوريا من تحت النفوذ الإيراني عقب سقوط نظام بشار الأسد…
اعتبر الإسرائيلي أن إيران أصبحت لقمة سائغة، وأن الاختراقات التي حققها الموساد داخل إيران كافية لشل قدراتها على الرد…
لكن هذه الحسابات لم تكن دقيقة إن لم نقل لم تكن صحيحة…
فإيران، وعبر سنوات طويلة من التسلح، ومن مواجهة الحصار والعداء الأمريكي والإسرائيلي لنظامها، طورت عقيدة عسكرية قوية، وقوة ردع ذاتية لا تعوّل فقط على أذرعها المنتشرة في أكثر من دولة في المنطقة بل تعول على نفسها وقد خاضت حرب الثماني سنوات مع العراق وكان النظام فتيا انذاك واستطاع ان يصمد رغم دعم دول الخليج ودول الغرب لصدام حسين …
3/ نتنياهو، وتحت ضغط تفكك أغلبيته، وحل الكنيست، واحتمال ذهابه إلى السجن في ملفات فساد داخلية، أقدم على المغامرة بالتحرك لضرب إيران بدعوى القضاء على مشروعها النووي، وهو الذي يقود دولة تتوفر على سلاح نووي، وترفض إلى الآن التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة للحد من انتشار السلاح النووي… يا للمفارقة!
هذه، بالمجمل، الدوافع الظاهرة والخفية لمغامرة إسرائيل في الدخول مع قوة إقليمية من حجم إيران في حرب مفتوحة، وهي حرب لم تخضها إسرائيل مثلها من قبل…
لهذا سنرى ونسمع مفاجآت كثيرة…
مازال المشهد العسكري والسياسي والدبلوماسي مفتوحًا على كل الاحتمالات، لكن الأكيد أن عالم اليوم لا يسمع إلا صوت القوة، ولا يحترم إلا القوي، ولا يلتفت إلى الضعيف مهما كانت قضيته عادلة…
كل ما ناضلت البشرية من أجله لقرنين على الأقل، من جعل العدالة والقانون والسلام فوق منطق القوة، كل هذا لم يهذّب من سلوك البشر في شيء…
مازال الإنسان متعطشًا للدم والقتل والدمار، تحت عناوين براقة…
Taoufik Bouachrine توفيق بوعشرين