بدر شاشا
سبحان الله العظيم…
حين يقف الإنسان متأمّلًا في خلق الله، يدهشه هذا المشهد العجيب: سماءٌ مرفوعة بلا أعمدة، ثابتة بلا حواجز، قائمة بأمرٍ لا تراه العيون، بينما أصغر بيتٍ من بيوت البشر لا يقف إلا بدعائم وحديد وحسابات دقيقة. فأيّ قوة هذه؟ وأيّ حكمة؟ وأيّ تدبير؟
ترفع بصرك إلى السماء، فلا ترى سقفًا، ولا دعامة، ولا حدًّا، ومع ذلك فهي ثابتة منذ آلاف السنين، لا تميل، ولا تسقط، ولا تختلّ. عندها يدرك القلب أن الذي يمسكها ليس قانونًا أعمى، بل إرادة خالقٍ قدير.
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾
ثم تنظر إلى الأرض التي تمشي عليها مطمئنًا، لا تهتزّ بك، ولا تبتلعك، وقد ثُبّتت بالجبال، وسُوّيت لتكون مهدًا للحياة، لا فوضى ولا عبث.
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾
﴿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾
وترفع عينيك إلى الكواكب والنجوم، ملايين الأجرام الهائلة، كلٌّ يسير في مساره بدقة مدهشة، لا يتصادم، ولا يتأخّر، ولا يتقدّم خطوة واحدة عن أمره. لا قائد يُرى، ولا صوت يُسمع، ومع ذلك فالطاعة كاملة.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾
هنا يفهم القلب معنى قوله تعالى:
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾
فكلّ شيء يسبّح، لكن بطريقته.
السماء تسبّح بثباتها،
والنجوم تسبّح بانضباطها،
والأرض تسبّح بعطائها،
والإنسان يُطلب منه أن يسبّح بوعيه وخضوعه.
وحين يدرك الإنسان هذا، يشعر بضآلته، لا ذلًّا، بل خشوعًا. كيف يعصي من يمسك السماء أن تقع؟ كيف يغفل عن من يدبّر الكون كلّه بلا تعب؟ كيف يثق بقوّته، وهو لا يملك أن يمسك حجرًا في الهواء لحظة؟
سبحان الله العظيم…
هذه الكلمة لا تخرج من اللسان فقط، بل تولد في القلب عندما يرى الإنسان الكون كلّه قائمًا على أمرٍ واحد:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
فمن تأمّل خلق الله، خضع.
ومن خضع، اطمأن.
ومن اطمأن، عرف أن هذا الكون لم يُخلق عبثًا، وأن له ربًا عظيمًا، قويًا، حكيمًا، رحيمًا.
سبحان الله العظيم…
ما أعظمك يا رب، وما أصغرنا دونك، وما أكرمك إذ دعوتنا أن نعرفك، لا أن نضيع في هذا الكون بلا معنى.
عدد المشاهدات : 114