حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في زمن الكوارث، تُقاس الرجولة بالنجاعة، وتُختبر المسؤولية بالفعل لا بالصورة. لكن في القصر الكبير، يبدو أن بعض المنابر الإعلامية اختارت أن تجعل من الفيضانات فرصة ذهبية لإطلاق موسم جديد من الخيال السياسي، بطولةُ حلقاته: سوبرمان الجماعة، القادم من كوكب “الواجب المؤدّى بالكاميرا”.
فجأة، وبينما كانت المياه تقتحم البيوت، وتغرق الأزقة، وتُرعب الأسر، انشغل الإعلام المروّض بنقل مشاهد “تاريخية”: رئيس جماعة يتجوّل، يسمع، يواسي، ينظر بعمق درامي إلى الأفق، وكأنه يتأمل مستقبل المدينة… أو ربما يتفقد منسوب الماء قرب إحدى قيسارياته.
الخطاب نفسه يصرّ على تقديم المشهد باعتباره عملاً استثنائياً خارقاً: رئيس بين الناس! .
رئيس وسط الطين! .
رئيس لم يختبئ في مكتبه!.
يا سلام!وكأن النزول إلى الميدان أثناء كارثة ليس واجباً قانونياً وأخلاقياً، بل صدقة جارية تستوجب التصفيق، وضرب الطبول، والنفخ في مزامير “الوفاء والإخلاص والضمير”.
لكن ما لم يقله هذا الإعلام المتحمّس، هو أن تحركات “سوبرمان” لم تكن كلها إنقاذاً للمواطنين، بقدر ما كانت – ويا للمصادفة المؤلمة –جولة تفقدية لممتلكات خاصة: محلات، عمارات، قيساريات ،غمرها الماء كما غمرت المدينة كلها، دون تمييز بين مواطن بسيط ومسؤول متعدد الأملاك.
وهنا تطرح المفارقة نفسها بلا استئذان: هل نحن أمام مسؤول يتضامن مع المتضررين، أم متضرر يطمئن على استثماراته؟
وهل الجمع بين الصفتين يمنح صاحبه حصانة أخلاقية، أم يضاعف مسؤوليته السياسية؟
الإعلام، بطبيعة الحال، اختار الطريق الأسهل: فحوّل الواجب إلى بطولة، والحضور إلى إنجاز، والمأساة الإنسانية إلى خلفية ديكور لحملة انتخابية مبكرة.
أما المحاسبة؟ فقد غُرِقت بدورها ، ربما مع أولى التساقطات التي عمت القصر الكبير ، الذي لا يحتاج إلى رئيس “يتقن الوقوف أمام الكاميرات”، بل إلى من يتقن السياسة العمومية، ويعرف أن المدن لا تُدار بالنوايا الحسنة ولا بالصور المؤثرة، بل بالتخطيط العلمي، واحترام قوانين التعمير، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالفيضانات لم تكن قدراً سماوياً، بل نتيجة أرضية لاختيارات فاشلة: توسع عمراني أعمى، تجاهل لطبيعة جغرافية مهدَّدة، سياسات ارتجالية، ومنطق زبوني قدّم الإسمنت على السلامة، والمصلحة الخاصة على المصلحة العامة.
وكما يقول المثل الشعبي المصصري – الذي يبدو أنه يصلح تماماً لهذا المقام –: “يقتل القتيل ويمشي ف جنازتو” ،يبكي، يعزّي، يواسي ، ثم يعود إلى بيته مطمئناً.
وبالمناسبة، لا يهمّ سكان القصر الكبير إن كان رئيسهم متعلماً، أو أمياً،
ما يهمّهم فقط، أن يكون رئيساً يُحسن التدبير، لا رئيساً لا يرى في المدينة سوى امتدادٍ لممتلكاته.
في الختام، يبقى التضامن الصادق مع كل القصراويين والقصراويات واجباً لا نقاش فيه. لكن التضامن لا يُقاس بعدد الصور، ولا بطول الجولات، بل بقدرتنا على تحويل المحنة إلى لحظة وعي، وبداية قطيعة مع أساليب أوصلت المدينة إلى الغرق… حرفياً ومعنوياً.
أما الإعلام الذي يصرّ على صناعة الأبطال من الطين، فليتذكّر أن الماء، مهما علا، لا يستطيع أن يُخفي الحقيقة إلى الأبد.