إنجاز: د الغزيوي أبو علي و دة بن المداني ليلة
إذا كانت السياسة هي التلقي والتعلم وليس الفرض والتعتيم، فهي مرآة المجتمع لأنها تهدف إلى فرض السلوكات الضرورية لبناء مجتمع مستقبلي إذن هل السياسة وليدة المجتمع؟ وكيف تتعامل مع السياسي؟ انطلاقا من هذه الأسئلة المركزية، فإننا واجدون أن السياسة المبنية على أسس موضوعية قادرة على مقاومة الاختلال واللاتوازن، مما سيمنح لها بإبداع دلالات جديدة في مجتمع ديمقراطي، إذن السياسي لا يولد هكذا عبثا ولم يأتي إلى هذا العالم إلا بوعي اجتماعي يراعي المواقف ويحدد الاتجاهات لصناعة الرقي الاجتماعي، وإذا انطلقنا من الحوار الأخير بين السياسي والنقابي هو حوار بين من يملك السلطة، وبين من يملك القاعدة، وذلك بهدف الحد من الاحتقان الجماهيري ومن التفاوت الطبقي، والضعف السياسي لأصحاب القرار، فالتدهور الاجتماعي هو تدهور مؤشرات الانتماء إلى هذين الموقفين لدليل على أن مشكلة التعليم ليس وليد اليوم، بل أمسى سؤالا حائرا على درجة قصوى من الأهمية، الشيء الذي استوجب تكييف الجهود التنسيقية مع السياسية التربوية القادرة على إعداد موضعة المشاكل بعيدا عن المقاربات الشخصانية والانطباعية، وهو ما سيمكن من اكتشاف أثر الممارسة التربوية على الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إذن التنسيقيات هي البديل التي تستطيع أن تساهم في تلطيف أجواء السوسيوتربوي لأنها هي التي تلعب في الملاعب وليس في النقابات، ولإدراك أسس وتجليات العلاقة بين التنسيقيات وأصحاب القرار لابد من تحديد موطن الإشكال وهذا أمر متوقف على تباين أن طبيعة الوظيفة التربوية تتميز عن نظيرتها السياسية بجملة من المميزات، منها أنها مؤسسة للتنظيم التربوي وبناء الإنسان الاجتماعي، وأنها نقدية مساءلة لا تؤاد أحد على أن تضحي بالحقيقة المطلوبة والمكشوفة، ولا تتقاعد على ما تراه إنما فرسالتها التربوية ودورها الإبداعي والنهضوي، وأنها محكومة بنزوعها لما هو ممتد تاريخيا وعميق تجريبيا، وطبيعتها منجذبة إلى التمرد ضد هذا الصنم المصنوع من أصحاب القرار، فرهانها يكون دوما على المستقبل الذي هو إعادة للأستاذ كرامته وموقعه داخل النظام اللبرالي، أما طبيعة الوظيفة النقابية فهي ميالة إلى الاهتمام بالشأن المادي دون العودة إلى السحب والمناقشة بطريقة ديمقراطية، غايتها استرضاء أطراف الحكماء وأصحاب القرار، لذا وجدت نفسها في برج المثالية الأفلاطونية وهي تنادي من بعيد، الشيء الذي ولد تيارا مخالفا لأطروحات ما هو نقابي، لأنه يمتلك رأسمالا رمزيا وتدبير عالة الحساسية، التي تهدد النسق التربوي في جل مستوياته الفردية والجماعية، فبفضلها يتم التمكن من التخلص من النظام المشؤوم والاندماج المعياري العملي والثقافي والتواصلي، من أجل التدبير البعد التواصلي لخلق التوافق وتجاوز مخاطر السنة البيضاء أو اللجوء إلى العنف أو الإقصاء والسجن كما رأينا في سنوات الستينيات مع التيار الاشتراكي ومنظمة الديمقراطية والأمام، و23 مارس وغيرها من التنظيمات السرية، ومحاكمة 1965 بالدار البيضاء، فهذا التبرير في الاستمرارية الاحتجاجية وإنتاج القبول الاجتماعي بها دون جدلية الخفاء والتجلي، فالسياسة التنسيقية لا تهدف إلى تجاوز الدولة، بل تهدف الرفع من أسهم الأستاذ معنويا وماديا، وإدماجه داخل القيم الثقافية والتقنية الجديدة، تفيد هذه الأدبيات التي ذكرتها بأن أصحاب القرار يقول بأن الدولة تعرف عدة أزمات مرتبطة بتحولات العالم، كلها ساهمت في بلورة مجموعة من الصيغ والقرارات التي تؤطر هذه الأزمة التي يعيشها هذا البلد، نتساءل هل الأزمة مرتبطة بالمهمش فقط؟ لماذا لا يحس الأرستقراطي بالأزمة؟ وما هي درجة الأزمة التي يندمج فيها الأستاذ؟ هل نطالبه المردودية في ظل ثقافة التفاهة التي نجدها في الكتب المدرسية؟ تشير هذه الأسئلة إلى ما يفترضه أصحاب القرار التي تتحمل مسؤولية رسمية وواضحة نحو تحقيق الرفاهية للطبقة الأرستقراطية والبورجوازية وتساوقا مع المصادر الخارجية التي يسترفدها الحوار والتي أسهمت في تنسيب كشوفاته وتفريد رهاناته، وتساوقا أيضا مع مرونة مفاهيمه التي أتاحت له الامتداد لشتى الاحتجاجات، اخترت تأطير الإشكالية الأساس لدراستي لتمثلاته في طرح هذه الأسئلة ضمن إشكالية خصوصية التنسيقيات، لأن المتمعن في الجدل والنقاش الواسعين اللذين أثارهما حضور الشعارات والمواقف في تخريجاتها يتبدى له أن الانقسام الذي حدث بين مؤيد للاحتجاج وبين معارضيه لم يخرج عن دائرة الإقناع بخصوصية التنسيقيات ومفاهيمها ومكتسباتها المرتبطة بمرجعياتها وتأثيراتها في الثقافة السياسية الراهنة أو المحاججة باستجابة أولوياتها ومقولاتها لأوضاع اجتماعية وسياسية وتربوية محددة متجذرة في سياق الثقافة المغايرة. حيث انطلقت التنسيقيات وكل المنجذبين لأطروحاتها من المناداة باستراتيجية بديلة، وصلاحيتها لإعادة الاستزراع الاختلاف البديل، والتوظيف في البيانات والنقد الموجه من أجل خلخلة الهويات النقابية المتصلية حول واحدية الجدل، وجهوزية اللقاء مع أصحاب القرار، فضلا عن تعدد المداخل النقدية للنظام الأساسي، وكذا الخطابات التي تعيد دوما الاعتبار للهامش، كل هذا ينتج وعيا مغايرا باستمرار وبديلا للنقابات التقليدوية مما يبقى التأويل الجماهيري منفتحا باستمرار على مستجدات التربية، لأن الدلالة التربوية منزاحة عن أية علة ناظمة من طرف أصحاب القرار، في حين ينطلق منطق التنسيقي في تبرير ضرورة استبعاد طروحات ومقولات أصحاب القرار مما قد يترتب عن أجرأتها في الاشتغال على النظام والكرامة وليس على البعد المادي، دون جعل رهانات الجمهور التربوي بمثابة كتلة طبيعة، فالحديث عن الاختلاف ليس من أجل الاختلاف في حد ذاته، بل هو حديث يقربنا إلى عمق أركان التفاوض وعناصره، ذلك أن النظام التفاوضي يسلم بالاختلاف الديمقراطي، فهذا الأخير ليس تقنية بسيطة، بل هو بديل عن كل سلطة مغلقة بغلاف الخضوع، لأن الحق في التفاوض هو قبل هذا كله يتوقف على الكيفية التي ولدت وتكونت هذه التنسيقيات لذا فالحضور التنسيقي هو تكوين عقلاني متمرس، قابل بشرعية جديدة في مناخنا السياسي المعاصر، إن الصراع الذي نراه على الساحة التربوية هي معركة جديدة مؤكدين بأن رفايتهم هي خفض نظام دولتهم ومصالحهم، ويرى أحمد زكي بدوي في مؤلفه “معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية” 1986 – مصر – ص446، إن الدولة الحارسة تقتصر وظيفتها على وضع القواعد لصيانة النظام في المجتمع، إلا أن إفادتهم ظلت محدودة نظرا للفارق بين من يجادل ومن يقبل بالتسليم في هويته، لذا خاص الفريق التنسيقي معركة الوثائق لإثبات شرعيتهم وطعنوا في هذه الوثائق المقدمة التي اعتبروها خدعة حصان طراودة، وطرحوا نصوصا شعاراتية على أنها نصوص أصلية للإصلاح، وهذا البديل المنهجي لم يقتصر على القول، بل جاوزها إلى سواها كالحرية والكرامة، وتوفير الشروط وأخيرا المادية، لقد أعطت مرونة الحوار للتنسيقيات مكانا خاصا، كون التنسيق تجسد فكرة الحوار عبر المقاطعة والاحتجاج حين لا يكون ذلك التجسيد ممكنا عبر هذه الأشكال الأخرى كالمقاطعة أو الاعتصام، ولكن لماذا التعنت من الملاكين الكبار؟ تنبثق أهمية طريقة الاحتجاج في جعل الصراع ليس مع الدولة ولكن مع الأحزاب المفبركة التي نمت وترعرعت في المجتمع، فاستغلت اليأس الجماهيري أثناء رئاسة الإسلامويين، وهذا الاستغلال المقنع يصعب مقاومته إلا بالاعتصامات والاحتجاجات السلمية وبالوعي النقدي لأن عصرنا عصر الجماهير وليس عصر الحشود كما قال غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجيا الجماهير ص35، فالحديث عن هذه العقليات تشتمل على تناقض ذاتي وعلى وعي لا واعي لأنها لا تدرك مشاكل المغرب العميق، لأنهم يملكون شعورا عدائيا لا واعيا نحوه.
إذن فغياب التخطيف للمشاكل والمواضع التي تستلزم حلها ودراستها من طرف البيروقراطية جعل التواصل الحقيقي والفعال بين الأطر والأطراف المعنية لا يرقى إلى المستوى المطلوب، لأنهم لا يملكون منهجا واضحا كالشعور بالمشكلة، وكيفية صياغتها مع وضع فرضيات وحلول مبدئية للمشكلة المطروحة وتحديد أدوات العمل للوصول إلى النتائج وتنظيمها وتصنيفها وتحليل النتائج وتفسيرها وأخيرا استخلاص الاستنتاجات وتعميمها، كل هذا لرصد لأحداث راهنة أو حالية لهذه الظاهرة للأسف كما قرأت وشاهدت فإن ملاكي الكبار للحوار لا يملكون المنهج كطريقة علمية منظمة تسعى من خلالها إلى كشف الحقائق معتمدين على قواعد موضوعية تقودهم إلى فرز الحقائق وتبويبها وتحليلها لاستخلاص المبادئ والقوانين العامة.
إن التعريف بالموضوع المطروح يعني وضع إطاره العام والخاص، مع تحديد المفاهيم وشرح المصطلحات المفاتيح التي يحملها النظام الأساسي، مع إعطاء نبذة عن التطور التاريخي للموضوع واستعراض أهمية التعليم في حياة البشرية وأخيرا عرض الحلول المحصل عليها بشكل ديمقراطي ولكن للأسف كما قلت أن ملاكي القرار وحراسه ركزوا على الفصل الأول من أطروحتهم الخاص بالبعد المادي وألغوا كل الفصول الأخرى من الأطروحة لأن صناع القرار حددوا الأشخاص مسبقا والجهات المحاورة وتحديد زمن ومكان إجراء مناقشة الأطروحة مع ما يناسب مع ظروف البحوث، وألغوا كل الخطوات التالية: كتحديد الهدف الذي ينتمي إليه المدرس.
غياب الظاهرة المدروسة.
غياب تحديد وترتيب الظروف.
وهذه المراقبة الدقيقة لسلوك صناع القرار في ظل الظروف والعوامل جعلهم يركزون على الماديات دون الحديث عن المدرس كإنسان، وذات ووعي ووجود ومعرفة، وليس شيئا أو مادة، وهذا راجع إلى اختلاف المنطلقات الفكرية الإيديولوجية لكل محاور حول هذه الظاهرة، حيث يؤثر المحيط الثقافي والتربوي على المدرس، لأن جوهر السياسة هو الصراع حول طبيعة الحياة الخيرة باعتبارها علما يهدف إلى تحقيق وضمان حقوق الأفراد وواجباتهم، إذن هل صناع القرار يملكون سيادة الانفراد؟ إذ كانت خصائص السيادة كما قرأنا في القانون تعني الشمول والأطلاق الدائمية عدم التنازلية، فإن سيادة عندهم الانفراد الفعلي باتخاذ القرار السياسي على المستوين الداخلي والخارجي ويرى جون بودان : كرد فعل على الواقع السياسي بتعريف استبدادي للسيادة، رغم أن كل أفراد الشعب أيا كان تكوينهم ومستوياتهم يتمتعون بحق ممارسة السيادة، حيث أن مبدأ كل سيادة يكمن أساسا في الجماهير، إذن فالسلطة كما نعرف تملك وسائل الإكراه ويقول غاستون باشلار في هذه الشأن، متى تكون السلطة سياسية يجب أن تمارس في مجال محدود، فإقرار المشروعية الحوارية بين السلطة الاجتماعية التربوية والسلطة السياسية هو الوضع الأمثل للسلطة التي تستطيع فيه تحقيق التوازن بين الغايتين، الغاية الأولى الكرامة، والغاية الثانية البعد المادي إسوة بالقطاعات الفاعلة في المجتمع.
إن الديمقراطية هي النظام القائم على السلطة – دولة الحق – والقانون والمؤسسة على حق الشعب في تقرير مصيره وفقا لإرادة الأغلية والحرية والمساواة مستبعدا لأي سلطة عنيفة.
فالحوار ينبغي كما قلت في عدة دراسات ولقاءات تواصلية أن البعد الاجتماعي الديمقراطي يتأسس على الحقوق والحريات الفطرية للإنسان كما هي متعارف عليها كونيا ودوليا، حيث يقوم بصيانة القيم الثقافية والأخلاقية، وبهذا فهي مستعدة للتنكر بأسمى أهدافها <<خدمة المواطن المغربي>> ويرى المرحوم الحسن الثاني <<أي تقليد في هذا المجال يؤدي إلى العقم، لأن غرس الديمقراطية في الأرضية الاجتماعية دليل على إعطاء الحقوق والواجبات لهذا المدرس الذي يعيش المأساة>> لكن ينبغي أن نلغي أشكال السلط (كالمحدودية أو المفروضة أو المطلقة والتشبث بالسلطة الاختيارية التي يحس فيها المدرس بالحرية وبالأشخاص الذين يمثلونه)، لأن السلطة تقوم على تحقيق غايات الجماعة وغاية المجتمع ككل وليس الأفراد، لأن الديمقراطية كما قلت مسار وليس قرار، ومهما يكن من أمر بأن أول خطوة هي وصف هذه الظاهرة التي ينبغي دراستها وجمع أوصاف ومعلومات دقيقة عن هذا الحراك من أجل تحديده، إذن لابد أن تكون للمثلين منهجا لدراسة هذه الظروف السائدة التي تختص بالمجموعة الرافضة لهذا الصنم المنشود من أجل الوصول عن أية تساؤلات الواقع، واتخاذ القرارات المناسبة في مشاكل ذات طبيعة مشابهة، وخلاصة القول أن تقنيات التفاوض والتحاور هي عنوان تنويري لا ينتهي إلا بإعادة النظر في الإنسان العالم الذي يحمل سلطة معرفية حسب تعبير ميشيل فوكو في كتابه (نظام الخطاب) فالمدرس اليوم لا يملك سلاح السلطة من مؤسسات تشريع وتنفيذ وفصل، ما دامت السلطة تحاول أن تعيد التوازن الاجتماعي كما تقول خالدة سعيد في كتابه “الثقافة والحرية”، لكن هذه الرؤية التربوية والاندفاع الكريم في العطاء هو الذي جعلني أكتب هذه الدراسة لتكون أساسيا مدخلا وانفتاحا وإضاءة للاتصال والتبادل بين الإنسان والمجتمع، لذا جاء الأستاذ اليوم بالتصور المتعالي يحول الحزبوي إلى سلطة معرفية شديدة المركزية، تحاكم وتتحكم وتضبط المواقف والعلاقات والإجراءات لتكون ديمقراطية، وتجعل المدرس خارج الشرعية الحزبوية ما دام دوره نقديا يقوم على المساءلة وإعادة النظر فقد تبين أن هذا الدور غير متاح في بنية تقوم على معرفة سلطوية عقدية (خالدة سعيد ص124 – 125)، إذن يقوم بأراديكم التربوي على اقتراح القوانين المفسرة لمقاصد الدلالة التي يبدعها المدرس عبر الاستدلال المنطقي، باعتباره مكونا أساسيا في سيرورة الإصلاح، وبغية وصف القطاع الإصلاح التربوي خاضعا للتحولات المعرفية وليس خاضعا للفرد المشفر استعاريا، فالاختلاف المنهجي بين كل المقاربات المتنوعة داخل النسق التربوي فهي لا تتجاوز عدد هذه القوانين التي ألفناها من ناحية، وأنماط الوصاية التداولية التي يفرضها المشروع عموما على الباحثين دون معالجة حالات بيداغوجيا لتؤثر في المحيط، بل يطلب منه دفتر النصوص، وسجل الغياب، والحضور داخل الفصل إذن أين نحن التقنية الثالثة ومن المردودية والثقافة عموما وصناعة الذكاء إذن يبقى السؤال مفتوحا.