إنجاز: د.الغزيوي أبوعلي
تطمح هذه الدراسة إلى إثارة إشكالية المراهقة في بعدها الإنساني، وفي العلاقة التي أقامها هذا مع التراث الإنساني والدولة ويمكن اختزال الأسئلة التي عملت على طرحها في سؤالين مركزين:
1- كيف يتم استيعاب الواقع من طرفه؟
2- ما هي الخلفيات التي جعلته يعيش الغربة والضياع؟ وما علاقته بالدولة؟
لعل صيغ القراءات المتعددة يمكن أن أختصرها في بعدها الإشكالي الذي يفصح عنهما السؤلان المركزان، ذلك أن مفهوم المراهقة في واقعها العربي أصبحت غائبة وقليلة لا تسمح لنا بتعدد الرؤى والاختلاف حيث لا نقرأ إلا لغرض ما أو هدف دون معرفة الأبعاد الوجودية ولا الحمولة الوجدانية ولا الإنسانية، لذا أصبحت القراءة محكومة بشروط نفعية وليس بناء الذات واكتساب الوعي والإبداع والنقد، فهذه المسيرة الاكتسابية منذ النهضة إلى يومنا هذا فهي مسيرة زهرت فيها النخب الغير الفاعلة في المجتمع، بل هدفها المناصب وتسلق الأبراج العاجية والمنهجية الأنوية، ودون التفكير في المهمش لأن هذه المفارقة المراهقاتية الباطنية جعلنا نعيد النظر في الأسئلة التالية:
ما هي الطرق التي تم بها استيعاب تقنية التنشيط من لدن القارئ العربي؟ وما هي الأنساق المنهجية التي واجهت طرق المراهق المتلقي؟ وما هي المرجعيات التي تتحكم في هذه التقنيات التربوية؟ وكيف يتم التعامل مع المراهق؟ يتم التدريس بها في أبعادها الديداكتيكية لعل صيغة القراءة لهذه الأسئلة تختصر إلى حد بعيد الامتدادات الإشكالية التي تبدو لنا كعتبة من خلالها تلج إلى بواطنها لمعرفة من يتعلم؟ وكيف يتعلم؟ وما الهدف من التعلم؟ فهذه الأسئلة كما قلت ليست بريئة، بل هي محملة بمجموعة من القراءات التي تسمح لنا بتعدد الرؤى والزوايا لأن هذه التقنية هي نشاط معرفي ونمط إبداعي، تجعل من الظواهر والقضايا المقدمة مجالات معرفية وثقافية واجتماعية ونفسية عبارة عن تطبيقات تواصلية رمزية، ورافدا من روافد البعد الديداكتيكي هي بعد الجواني وليس البراني، فمحاولة تشخيص الواقع التربوي في ظل العولمة كمفهوم وكواقع ملموس، يجعلنا نقترب من السؤال الوجودي المطروح ماضيا وحاضرا عما هو مصيرنا، وتربيتنا، ثقافتنا وذلك في خضم التحولات التي يشهدها عصرنا، تحولات سياسية واقتصادية وثقافية، في سيرورة التطور التربوي المذهل على شتى الأصعدة، لذا تبدو النظريات الكلاسيكية في طريقها إلى الزوال، والتقنيات المتنوعة تتحول إلى رؤى أخطوبوطية تتجاوز ثقافة المحتوى لبناء الكفايات الجديدة فالتقنية التنشيطية بدأت مع أوروبا الحداثة وتسارعت مع الثورات الصناعية والتكنولوجية، فأصبحت واقعا ملموسا في الميدان التربوي المعاصر.
وفي ظل كل التحولات ثمة سؤال وجودي عما هو مصيره وهويته ومحاولة إجابة على هذا السؤال المركزي لابد من استحضار بعض البيداغوجيات التي تناولت هذا المراهق الكائن البيولوجي الواعي منها على الخصوص السلوكية التي اعتمدت على البعد العلمي التجريبي، والبنائي، والسوسيوبنائي والمعرفي.
فهذه المناهج تدعو إلى فتح الذاكرة بغية استنتاج مجموعة من التراجعات منها إغفال المراهق لتوصل في النهاية الأوهام النائمة التي لا يزعجها إلا من تجرأ على مساءلة الواقع في بحث حثيث عن متحكمات التأليف الدراسي لهذا فطن المفكرون والتربويون لدورها الفعال في التنشئة والتطبيع وبناء الشخصية المتوازنة، لذا فالمراهقة هي جسر بين الطفولة والشباب، تظهر كحركات تعمل على خلخلة حصون الدماغية والتقليد الأعمى ومباشرة التحول الفيزيولوجي والتغير الفضولي والمعرفي لإنتاج قيم فنية تتسم بالرجولة والأنوثية، وهنا تأتي أدوار الأسرة والمجتمع والفئات التربوية المتنوعة على إخضاع هذا المتمرد والقاهر لكل الأوامر والنواهي بغية تأصيل عقلاني لكل يتلائم مع القيم الحضارية الإسلامية والمدنية.
وهنا يطرح السؤال، هل المخدرات هي البديل؟ وهل الفشل الدراسي الذي يعاني منه يعود إلى الأسرة؟ هل المدرسة غير قادرة على استيعاب عالمه الخاص؟ أسئلة كثيرة غير ميكانيكية تجعل الحضور لهذا البطل الدونشاوي أنه يعاني النكوص والانتعاس لأنه لا يعرف موقعه كذات مفكرة، وفاعلة، بل يعتبر نفسه هو العالم والعاقل والعارف والقادر على بناء القيم الجديدة في هذا المجتمع البالي حسب رأيه، لكن هذا الطرح هو عبارة عن نرجسية مؤقتة التي لا تدخل في الحوار الحرج المتفاقم حول العلاجات النفسية، بل أصبحت براديكم جديد يتحدث به وعنه لأنه ينظر إلى ذاته كفضاء ذي رسالة محددة عليه أن ينجح في ترويجها وأدائها، وله مقاصد لابد أن يرنو إلى الوصول إليها، فالمراهق وفق مرجعيات حقوق الإنسان لابد أن يعامل على مبدأ المساواة أي دون اعتبارات اثنية أو دينية أو ايديولوجية سواء على مستوى التواصل أو على مستوى الخدمات، ولكن هذه المواثيق لا تراعى تحولات المجتمع ولا الأسرة بل تنظر إلى هذا البطل الدنكشوتي على أنه القادر على بناء دولة جديدة وعالم جديد، دون تقديم المساعدات الضرورية سواء للوصول إلى المعلومة المطلوبة أو لحسن التدبير الذاتي.
وانطلاقا من هذا الطرح واعتمادا على القراءة الفاحصة لهذا الواقع المهلهل بالأمية وبالعبث وبالجهل المقدس، نستنتج أن المراهق يعيش عالما العالم الذي نعيشه، عالم يكتنفه الغموض والإبهام، وأحلامه أرضية غير صالحة لممارسة الحصد ولا الإنبات، لأنه يعتقد أن فكرة الإدمان والقلق والنرفزة هي مهمة في الهيكل العام الذي يعيشه، لأن التأهيل عن طريق التكوين النفسي والاجتماعي، وكذا التأطير يرفضه لأنه لا يعرف الضمانات القانونية والتشريعية التي تحمى الأسرة الصغيرة من كل الحوادث التي يمكن أن تحصل أثناء الممارسة العدوانية.
فالمراهق الفاشل يلتجئ إلى عالم الإدمان من أجل تحقيق مجموعة من الفوائد لذات العموتة ومن خلال تغذية الجسم بهذا الوباء أو الطاعون المخدر.
لهذا تكتسي هذه المدونات المهلوسة والمخدرة أهمية كبرى مما لها من دور جد سلبي على المستوى التجريبي الجسدي والنفسي والعفوي والاجتماعي والفكري، وتتجلى هذه الأهمية من خلال تغير اللغوي والعيني والفكري إضافة إلى كونها تمثل مجالا هاما لتحفيزه لضرب جسده أو الانتحار أو تكسيرها يوجد أمامه برغبة أكبر وشغف أقوى، لأنها تقنيات لا يحسد بها هو كإنسان، بل يكون مستلبا في المراحل الأولى من تعاطيه لهذا الإدمان، حيث تتحول مفاهيمه وأفكاره إلى نزعة عدوانية تناقض حقل المنطق الرمزي، ولابد أن يؤدي هذا الاختلاف في طريقة وضع المفاهيم التي تصف بنياته الذهنية من أجل معرفة من يتحدث؟ وكيف يتحدث هذا الصعلوك؟ وبأية لغة ينبغي فهم معجمه؟
أسئلة كثيرة ومتنوعة تنثال على انتيال الحية الرقطاء المتراكضة كأحلام هؤلاء الضعفاء، فالمراهق يحاول أن ينقلنا إلى مرحلة يصبح فيها قادرا على حل المشاكل المتراكبة من خلال دمج بنيته في معالجة الأبعاد المتعلقة بالواقع وبالأسرة دون وضع قيمة للتوازن العصبي ولا الذهني، لأن التفكير اللامنطقي يغلب التفكير البعدي كما يرى كيس وأيضا التفكير الحلاتقي، فالمراهق لا يستطيع أن ينسق بين العوامل الكائنة والممكنة إلا من خلال رؤيته الخيالية والأداة المتوفرة لديه، فالقدرات المستمدة من المخدرات ومن الأقراص المهلوسة هي عبارة عن عمليات متغيرة الوظيفة تجعله غير قادر على الاستيعاب والتوافق والموازنة السيكولوجية.
ويرى كيبس أن اللامتغير الوظيفي هو العامل الأساسي الذي يتحكم في بنيات عملية دمج البنيات الذهنية، ودون وجود علاقة بين مستوى الذكاء ومستوى الأداء لذا فالعلاج التطهيري هو الذي يجعل المدمن أن يتذكر الأحداث وإحيائها كما يرى فرويد في كتابه (فرويد والتحليل النفسي ص: 181)، فالصدمات التي يحدثها المراهق ربما لم تحدث في عالم الواقع، بل يحتمل أن تكون أحلام اليقظة وإلى تلك الصور المؤثرة المستمدة من الهاتف العنكبوتي، وهذا الاضطراب المتقارب بين الحياة والموت هو عبارة عن ثنائية ميتافيزية تجعل موقف التحليل النفسي في التعامل مع مشاعر الرغبة التي قد يبديها المراهق نحو العالم الخارجي، ودون أن يطرح أسئلة حول استخدامه لهذه دون خشية تذكر، فهو يعتبر نفسه صاعدا على خشبة المسرح يلعب دور المريض والمريد والضحية، وعبر ما يتضمنه هذا التماهي الاسقاطي من وهم ودمار ذي قدرة وسيطرة ملعونة، معتقدا أن المجتمع البتريركي هو الذي حوله إلى هذه الحالة التي يعيشها، وهذا التصور حسب زعمي يحول الحالات المرضية إلى طبقات انفعالية ومشاعر إطلالية على السطح الوجودي، وهذه المحاكاة تقربنا إلى نوع من المرآة التي يعاني منها هذا المراهق المعطوب هو العامل الشرطي للعبث، تصبح هذه الأنا – النرجسية هدف حب الذات المنكسرة التي تمتعت به الأنا في مرحلة الطفولة أي البديل لنرجسية مرحلة الطفولة التي فقدها حيث كان هو نفسه النموذج المثالي لنفسه كما يرى فرويد (المرجع نفسه، ص: 193).
تستمد المناهج السوسيولوجية التجريبية إلى ماكس ………………فهذه المناهج تدعو إلى التعامل مع المراهق في جوانبه الوظيفية والتداولية والنقدية، لذا عملت هذه المناهج بإعادة قراءة هذا المراهق بنماذج مع طرح الأسئلة المستمدة من علوم الاتصال واللسانيات والتاريخ والبحوث الاجتماعية كلها قضايا منهجية تعالج مرحلة المراهقة، حيث يمر المراهق بمراحل عميقة في نظرية لنفسه وللعالم من حوله، حيث تتأثر هذه القراءات بهذه التغيرات الهرمونية الجسدية، إضافة إلى وجود تحديات التي يحدها في بناء هويته سواء تغلق الأمر بالتقلبات المزاجية والحساسة العاطفية والوعي الاجتماعي والأسري، حيث يبدأ المراهق الصعلوك في التفكير بشكل أكثر تعقيدا ليصبح قادرا على التعامل مع المفاهيم المجردة مثل العدالة، والأخلاق، وكما يحاول أن يطور ذهنه ليكون قادرا على التخطيط البعيد، وهل يتم هذا بدون تعليم؟ سؤال جوهري يرتبط بالتفكير والتشكيك في هذا الجيل ما بعد الحداثة، لأنهم يملكون ذاكرة قصيرة وطويلة المدى مما يساعدهم على التعلم والانتباه، ويكونون أكثر حساسية، اتجاه تجاربهم، لذا تؤثر العواطف على الكسل المعرفي دون تطور النافيات الثانوية التقسيمية والافتراضية كلها، لأنها كلها تفترض إيجابية الفكر النافي نفسه، لم يعد هناك ما يقال حول المراهقة المعطوبة، لأنها الوحيدة الفعلية والقطعية التي تؤثر في المعنى لمحو النهائي دون العمل بها، إذن لماذا العبور عبر هذا الجسر المعطوب نحو رصاصة الرحمة، إذن من السهل أن نفهم أن إحراج هذا المراهق الذي يسمح لنفسه بإيداع معجم مقموع، ولباس القاطعة بين الامتلاء والفراغ، وبين وسط بين الأخذ والترك بالطبع ليس بشكل منطقي، لأن كل تمرد صعلوكي ممنوع في الدولة الديمقراطية، وهذا يوضح لنا مدى تحكم مشاعره في حياته، ويسلط الضوء على الظروف الاجتماعية والتربوية التي جعلته يعيد النظر في هذا المعطى الذي يعيشه دون أن يعي بشيء ما موضوعي على أنه معطى بشخصه فيسمى لذا المدرك إدراكا موضوعيا، كذلك وعلى هذا المعيار أن هذا المدرك المشتت يحاول فيه إلى العودة إلى القيم الاجتماعية لفهم تطور هذا المدرك “الأفيون-اكشيش” كمتعة للرغبات مهما كانت طبيعتها لذا تنتمي هذه القيمة إلى مجال القيم المرتبطة بالإيدونيزم (hédonisme)، لذا لا نولد فضلاء بل نصبح كذلك، تلك خلاصة هذا المراهق الفاشل والصعلوك ………….، وهذه الرؤية تعاش في اليومي ودائما فريدة من نوعها كما يقول الخمار العلمي في كتابه “المعرفة والقيم، ص: 16) إن هذه العملية عبارة عن حالة هيستيرية تعتريه عند وقوعات في مشكلة ما، لذا تلوح أمامه كيفية فعل أي شيء في جسد. كيف يأكل كأنه ثعلب مدهون بحائط وببرمجة معقدة، لأن محتواه يغلب عليه العشوائية والإلقاء من جهة واحدة دون تفاعل على قدرته على التحمل، فهي البوصلة التي تقودنا إلى فهم تحولات هذا الصعلوك من جهة، وتحولات المجتمع من جهة ثانية، أو لنقل إن القيم المؤسلبة عملة من وجهين ومرآة تعكس تحول الجسد وتحوله الذاتي في الآن نفسه على المستوى البراكماتي ولاسيما الحاجة إلى التمييز بين القيم الفردانية والقيم الإنسانية، فالمراهق الصعلوك لا يكون واعيا بتحول الفكر الابستيمي والأخلاقي، والعاطفي، لأنه لا يملك إلا اللغة المفبركة المستقاة من طرف الحرافيش كما يرى نجيب محفوظ ويقول هنريك في هذا الصدد: “إذا تبنينا فلسفة اللاحكم، فإننا نجد أن الهشاسة النفسية هي الطاغية عندهم، لأنهم لا يعرفون ما السبب وراء ذلك، فنجدهم يتخبطون في هذا العالم بغير عقل، يحاولون أن يعقلنوه (الواقع) وفق تمثلاتهم وخيلائهم، ولكن لا يجدون إلا الوهن والطوباوية المفرطة، من هنا أؤكد أن المراهق يتساءل دوما عن هذا الثراء الموجود في واقعنا من أنواع المخدرات، ولماذا لم تستطع الدولة أن تضع قوانين زجرية لمحاربة هذا الأخطبوط الثلاثي (الجهل – الأمية – الإدمان) كلها عبارة عن ترهات حسب هذا الفاشل لأنه غارق في وحل لم يستطع أن يخرج منه، فيبحث عن المنقذ من هذا الظلال فلا يجد غير علماء السوء الذين يحاولون أن يغرقوه في هذا ……..، وعندما تسأله لماذا أنت غارق، يجيب بلغة شعيوية مؤطرة بالهوس المستمد من الضعفاء بأن الأب أو الأم هما السبب في إغراقي وهذا السقوط عليهما لكي يصبح هو الضحية وكبش الفداء، وبريء من كل إثم منزل عليه، هكذا هو المراهق الفاشل، لأنه لا يملك العزيمة والإرادة لكي يتجاوز كل الأنماط الموروثة لبناء ذاته بذاته كما يرى رايش فهو المالك للمعرفة، وسيد الكون، لا يستمد معرفته من الآخر بالرغم أن الآخر هو الجحيم، فالآخر المؤسلب هو الب الغير البيولوجي كما أرى من خلال المعاينة، فالأب البيولوجي مرفوض من نسقه الفكري والذهني، يرفض كل كلام يصدر من أسرته أو من الأقرباء، معتقدا أنه هو سيد العالم، وأنه مقياس كل سيء كما يرى بروتاغوراس الفيلسوف اليوناني وهذه الرؤية المتقوية تجعلني أعيد النظر في جهازه الفكري دون الفيزيولوجي أو البيولوجي، لأنه يعتقد أن البعد المادي هو الأساس وخاصة عندما لا يستطيع أن يتحكم في سلوكياته نظرا لغياب ذلك الأفيون المهدأ لدماغه، وهذا البعد الأفيجني يجعله يبدع طقوسا وأساطير من أجل استمالة كل متعاطف، وهذه العلاقة بين الضعيف والخير، والمستلب المجيب يجعلني أعيد النظر في ذلك الإنسان المسلوب والهارب من اليقين والمقنع بالأفيون، والنازل في أحضان الخوف، دون الوقوف أمامه، وخاصة عندما تسأله عن هذه الحالة يجيب “عندما يقوله لي دماغي” وهذه الجملة تدفعني إلى معرفة من هذا الذي يتحدث هو هو إنسان أم حيوان غريزي؟ هل هو فيلسوف نفسه أم أنه مريض ذهاني لا يعرف ما يصنع، كلها أسئلة تتسابق لتضع نفسها ما بين قوسين، لأنها تضعني أمام مشكلة نفسانية بكل مستوياتها المدرسية والعضوية والباطنية، لأنها تقربني إلى المدرسة السلوكية التي تعتمد على المثير والاستجابة نظرا لكونه لا يهدأ إلا بالأفيون أو بالمعطى المادي، وهذه الرؤية التجريبية لا تتساوق مع شروط الفعل الإنسانوي، بل نحس به كأنه حيوان غريزي كما يرى بافلوف وسكينر، وواطسون، أما إذا رحلنا مع المدرسة الفرويدية الجديدة فإننا واجدون أن اللاوعي والكبت الطفولي هو الذي يحركه وهذه الرؤية قد تكون في البداية ولكن التحولات الاجتماعية والتربوية المعاصرة تجعلنا نتجاوزها نظرا لإنبات خصائص جديدة التي تولدت مع العولمة، وهذا الإنبات المؤجل كما يرى جيل دولوز هو الذي يهيمن على الواقع، ليجعل المراهق والمراهقة يبحثان عن الأمان، لأنهما مهددان من الأسرة والمدرسة ومن هذا العالم المتوحش، لذا يبقى السبيل الوحيد هو الركون في ملاهي ليلية أو مقاهي الشيشا أو الابتعاد عن أضواء المدينة لاحتساء المشروبات وتدخين الحشيش، كلها تقنيات تعمل على تقسيم هذا الجسد إلى قسمين قسم حاضر في الصباح وقسم خاضع لنواميس الليل دون معرفة واقعه الواقعي الملموس، فيبقى محتوى الإرهاب الأفيوني هو الفرصة لعودة مشوهة للمكبوت، حيث يتخذ شكل خوف من أن يعضه الواقع الواقعي، الذي يرمز به الحصان ذو اللجام الأسود كما يرى فرويد في كتاب فرويد والتحليل النفسي – مجموعة من المؤلفين ترجمة أحمد فؤاد الأهواني، ص: 292، فمن الواضح أن المراخق كان مأخوذا بالإشباعات المرتبطة بالأمومة ورفض المعلومات التي تؤكد أنها إشباعات خاصة بالآخر الجحيم الذي هو الب، وحتى بعدما أدرك الكثير من المعلومات، حيث أن أوهامه دونت أنه محاط بالأقراب الصالحين المتصوفين، يستمد منهم الإشراق والهدانة لتجاوز السلوكات الغلالية والوسواس القهري حسب رؤيته، لكن الحقيقة الخطابية لا تملك أي أي واحدة خاصة به، وما يجعلها معا أنها تستنسخ بتكرار ملحوظ لدى هذا المراهق المستلب، وعلى نحو متطابق على اختلاف الأقران، لذا أطالب من كل مراهق أن لا ينخرط في عالم المخدرات والقمار، لأنهما يكسران أفق انتظاره، ولنا عودة الموضوع.