بقلم: بدر شاشا
الرباط أكدال
في زمن الهواتف الذكية والإنترنت السريع، لم يعد القمار مجرد طاولة في مقهى شعبي أو ورقة “لوتو” ينتظر صاحبها الحظ. اليوم، صار القمار يختبئ في كل شاشة، يمد يده إلى كل جيب، ويتسلّل إلى كل بيت مغربي من بوابة “الألعاب الإلكترونية” و”المراهنات الرياضية” و”الكازينوهات الافتراضية”.
الظاهرة لم تعد تقتصر على فئة عمرية أو اجتماعية معينة؛ فمشهد الطفل الذي يضع دراهم مصروفه اليومي على “باريس فوتبول” أصبح مألوفاً، كما أنّ الشيخ الذي يبحث عن “ضربة حظ” عبر تطبيق في هاتفه صار واقعاً مؤلماً. بين هذا وذاك، تتآكل القيم، ويُختزل الأمل في زرّ “راهن الآن” وكلمة “ربحت” التي نادراً ما تأتي.
القمار اليوم ليس مجرد تسلية، بل إدمان مقنّع، يسحب الإنسان المغربي من واقعه إلى وهم الثراء السريع. في محلات المراهنات المنتشرة في الأزقة، ترى شباباً يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات، يدرسون نتائج المباريات أكثر مما يدرسون مستقبلهم، يركضون خلف الأرقام بدل الأحلام. حتى من لم يدخلها بعد، تصله الإعلانات عبر “فيسبوك” و”تيك توك”، تغريه بالربح وتُخفي الخسارة.
ما يزيد خطورة الظاهرة هو غياب الوعي بخطورة هذا الإدمان الجديد. فالقمار الإلكتروني لا يسرق المال فقط، بل يسرق الوقت، والطموح، والإحساس بالمسؤولية. يُحوّل الإنسان إلى تابعٍ للحظّ بدل أن يكون صانعاً لمصيره.
المغرب يعيش اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. إما أن نواصل الصمت ونتفرّج على أجيال تضيع بين “رهان” وآخر، أو نتحرك كأسر، ومدارس، ومؤسسات، ومجتمع مدني، لمحاصرة هذا السرطان الرقمي قبل أن يستفحل أكثر.
الرهان الحقيقي ليس على نتيجة مباراة… بل على وعي الإنسان المغربي بنفسه، وبقدراته، وبأنّ الحظ لا يُبنى على أزرار الهواتف، بل على العمل، والكدّ، والأمل.