عقدة النقص ليست رأيًا، هي مرض ثقافي

حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

قرأتُ بلاغا إشهاريا يروج لقضاء عطلة رأس السنة بمدينة إفران.
خبر عادي… بل عادي جدًا، لا يحتاج لا لطبول ولا لزغاريد، لان إفران مدينة تستقبل الثلج كما تستقبل الشمس، ولا تُفاجَأ بالضيوف، أيا كانت ألقابهم.
لكن ما إن واصلت القراءة حتى شعرتُ بوخزة قديمة ، وخزة عقدة النقص- ذلك النقص الذي اعتقدت ،سذاجةً ، أنه دُفن مع أشرطة الكاسيت وخطابات السبعينيات- الذي لم يكتفي بالتذكير بمزايا إفران ، وجعل جماله لا يكتمل إلا بتأشيرة أجنبية ، واستدعاء الوصاية: “سويسرا المغرب”.
وهنا السؤال الذي يلحّ بإلحاحٍ ساخر: علاش كنحقّرو راسنا؟
هل صارت المدن المغربية قاصراتٍ لا يُسمح لها بالدخول إلى نادي الجمال إلا إذا أحضرَت شهادة حسن سلوك من أوروبا؟
وهل لا يكتمل الثلج إلا إذا كان “ألبياً”؟ ولا يحق للغابة أن تكون غابة حتى تُشبه غابة أجنبية؟
إفران، المدينة التي لها مناخها، وتاريخها، وذاكرتها، وخصوصيتها ، تُختزل في تشبيه كسول، تمامًا كما يُختزل لاعب مغربي موهوب في عبارة: “ميسي المغرب”أو “رونالدو العرب”.
وكأن الإبداع لا يُعترف به إلا إذا مرّ عبر ختم أجنبي! وكأن البطولة لا تُقاس إلا بمسطرة الآخر!
أليس بين لاعبينا أبطال؟ أبطال مغاربة بنكهة مغربية، بخطأهم قبل إصابتهم، وبعرقهم قبل شهرتهم؟
ألم يُبهِر هذا البلد العالم حين منح ــ فقط ــ نصف فرصة لكفاءاته وشبابه؟
فماذا لو منحوا الفرصة كاملة؟ لا ليكونوا مثل فلان، بل ليكونوا أنفسكم؟
فلاشك أنهم سيبدعون كما فعلوا مع الملاعب التي بُنيت بسواعد أبناء هذا الوطن، ألم تصمد في وجه المطر، والضغط، والزمن، ملاعب «البترودولار» التي غرقت بعد نصف ساعة مطر، كما أسطورة التيتانيك…مع فارق أن التيتانيك لم تُبنَ بميزانيات خيالية تُصرف باسم “التفوّق”.
ومع الأسف الشديد، لا يزال بعض ببغاواتنا يبحثون عن المقارنات، كأنهم لا يشعرون بالطمأنينة إلا إذا قالوا:”نحن مثلهم”، بدل أن يقولوا ــ بثقة ــ:نحن نحن.
متى سيشفى الذين رضعوا الفساد في الزوايا المظلمة،
من عقدة الصغار الذين لا يكبرون، مهما كبر الوطن؟ ويبقون أقزامًا في الوعي رغم كبر كروشهم….
متى سيشفون من عقدة لم تعد سوى نوستالجيا مؤلمة،
قاهرة،مذلّة، من بقايا الماضي.
لقد شُفينا…بعد حصص تجارب، وملاحم، وانتصارات ، يشعر معها بعض أنذال هذا الوطن أنهم صغار… متناهين الصغر.
أما نحن، فلم نعد في حاجة إلى ميزان الكفتين كي نعرف قيمتنا.
العالم اليوم هو من عليه أن يقف جنبنا…ليقيس حجمه ، وهو يرى أن كل سيارة،وكل طائرة،وكل ملعب، وكل إنجاز…يحمل إمضاءً مغربيًا.
وإفران؟
إفران جميلة…لأنها إفران. بذاتها ، وليس لأنها تشبه أحدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *