حميد طولست، كاتب ساخر وناقد اجتماعي .
الماء لا يعتذر.
لا يصدر بلاغًا.
ولا يُحيل على لجنة تحقيق.
الماء صادق إلى حدّ الفضيحة.
من آسفي يبدأ الدرس… ولا ينتهي
فيضانات آسفي لم تكن مفاجِئة إلا لمن لا يخرج من مكتبه.
المطر نزل في موعده،
والوديان سلكت مساراتها القديمة،
والمجاري ـ كعادتها ـ قررت أن تكون للزينة فقط.
في الصورة، لا نرى فيضانًا فقط.
بل نرى امرأة تُمسك بالحجر، لا لأنها تطلب النجدة،ولا أنها تحب الجيولوجيا، بل لأنها فقط تحاول ألا تصبح رقمًا في حصيلة مؤقتة قابلة للتعديل في دولة تركهتا للماء ،وتشبثت ببلاغها المطمئن، مطالبة من الجميع عدم الذعر، لأن “الوضع تحت السيطرة”، حتى لو كانت السيطرة قد جرفها الواد ، الذي لا يُتَمسكُ به في مدينة تتعلم الغرق.
امرأة واحدة، نصفها في الماء، ونصفها في الخوف، وكلها على الهامش في مدن بأكملها تتشبث بالأمل ، بعيدا عن الماء الجارح، المتوحش، الذي لا يحمل وعود الحياة التي حفظناها في كتب الابتدائي، ويحمل فواتير الإهمال المؤجلة، وغرامات التخطيط الغائب، ونتائج الاجتماعات التي “سُجِّلت فيها الملاحظات” حول الماء الذي هو هنا ليس قدرًا.
الماء الموظف العمومي الغاضب، أالذي ُرسل دون تعليمات، فقام بعمله على طريقته ، قراءة في النشرة الجوية لا قراءة في مشهد المرأة التي لا تقف في مركز الصورة، بل في طرفها، كما تقف آسفي دائمًا في طرف الخريطة، وطرف الاهتمام، وطرف البلاغات الرسمية.
أما الماء، فيحتل المشهد كله، كما تحتل الكارثة المشهد حين تختفي التنمية.
الحجارة التي تتشبث بها المرأة ليست سدًّا، ولا جسرًا، ولا مشروعًا مهيكلًا.
إنها بقايا شيء كان يُفترض أن يحمي… لكنه اكتفى بأن ينهار بأدب.
الحجر صامت.
والماء صاخب.
والإنسان؟ يُطلب منه فقط أن “يصبر” و”يتعاون” و”لا ينساق وراء الإشاعات”.
في فيضانات آسفي، لم يكن السؤال:لماذا نزل المطر؟
بل: لماذا صعد الماء إلى البيوت، وغاص في الأزقة، ووجد طريقه أسهل من طريق سيارات الإسعاف؟
الفيضانات لم تكشف قوة الطبيعة، بل ضعف التخطيط.
لم تكشف حجم الأمطار، بل هشاشة المجاري.
ولم تُغرق المدينة فقط، بل أغرقت خطاب “التنمية المستدامة” الذي حولت أسفي من مدينة إلى اختبار في سباحة ، في أول سيل عابر.
سيميائيات الغرق في صورة المرأة المتشبثة بالحجر ، تقول لنا شيئًا بسيطًا:”عندما يُترك المواطن وحيدًا في مواجهة الماء،
فالمشكلة ليست في الغيم ، بل في الغياب، غياب الرؤية ،غياب المحاسبة ، غياب المسؤول قبل الفيضان، وحضوره بعده لالتقاط الصور من مكان جاف.
القراءة السيميائية لصورة المرأة، وهي تتشبث بالحجر لا تطلب شفقة. تقدم لنا درسًا سيميائيًا مجانًا لا يُكتب بالماء:
في بلادنا، من لا يجد دولةً يتشبث بها، يتشبث بحجر…
إلى أن يتعلم السباحة، أو يتقن الغرق بصمت.
أما آسفي، فليست مدينة منكوبة، بل مدينة تُختبر في كل مرة:
هل ما زالت تستحق بنية تحتية، أم يكفيها بلاغ تعزية مؤقت؟