حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في هذا البلد، لا يُقاس منسوب الديمقراطية بعدد الحريات، بل بعدد المهرجانات. كلما ازداد الجوع، ارتفع صوت الموسيقى.
كلما ضاق الأفق، اتسعت المنصّات. وكلما اقترب المجتمع من حافة الانهيار، تذكّرت الأحزاب أن “الفرح واجب وطني”.
لسنا أمام أزمة سياسية، بل أمام طقس وثني حديث: الرقص لطرد شبح الوعي. التصفيق لتأجيل الأسئلة. والاحتفال باعتباره الشكل الأكثر تهذيبًا للإنكار الجماعي.
الأحزاب هنا لا تمثّل المجتمع، بل تتدرّب عليه. تتعامل معه ككائن قابل للترويض، يحتاج فقط إلى شعار جديد، ولون جديد، وهاشتاغ أكثر إشراقًا. أما الوجع؟ فمسألة ثانوية، يمكن تغطيته بلافتة قماشية عملاقة.
النقابات، التي وُلدت ذات بأسنان حادة، تخلّت عنها طوعًا. لم تعد تعضّ، بل تبتسم. لم تعد تُضرب، بل تُصافح. تحوّلت من أدوات صراع إلى ديكور تفاوضي، يصلح للصور التذكارية، ولا يصلح لانتزاع كرامة.
والجمعيات…
هذه الكائنات اللطيفة التي لا تؤذي أحدًا، ولا تُغيّر شيئًا. تُسعف النتائج، وتترك الأسباب تنزف. توزّع القفف الغذائية، تقيم حملات الختان ، وتحرص ألا تلمس سؤال: لماذا صار المجتمع محتاجًا إلى قفة أصلًا؟
كل هذه الهيآت، مجتمعة، تُشكّل جبهة واحدة ضد المعنى.
هيآت بلا مشروع، بلا خيال، بلا لغة تشبه الناس.
أيديولوجياتها لا تصطدم فقط بواقع المجتمع، بل تُهينه. تطالبه بأن يكون سعيدًا في الوقت المحدد، ومتفائلًا حسب البرنامج، ومشاركًا في الكرنفال، حتى لو كان قلبه منشغلًا بالموت،
ورصيده اليومي من الخيانة ممتلئًا،
ومائدته فارغة إلا من وعود الأمس.
هنا، لا يُطلب من المواطن أن يعيش، بل أن يُمثّل الحياة.
أن يبتسم للكاميرا، أن يهتف بحماسة أن ينتخب ثم يختفي بأدب.
أما الديمقراطية، فهي مخلوق هشّ، عصبيّ، سريع الفزع.
تسمح لك بالكلام، بشرط ألا تقول شيئًا. وتمنحك حق الاختيار، ما دمت تختار الصحيح سلفًا ، ديمقراطية تُصاب بالذعر كلما حاول الزمن القفز إلى الأمام دون إذنها.
أما أولئك الذين “وضعنا فيهم الثقة”؟ فقد فهموا اللعبة مبكرًا:الثقة رأس مال، والجرح قابل للاستثمار، والأمل مورد لا ينضب… طالما لا يتحقق.
ولهذا نحتفل. لا لأننا سعداء، بل لأن التوقّف عن الاحتفال قد يفضح الحقيقة.
وكما قال فريدريك جيمسون، وكأنه يكتب بياننا السياسي غير المعلن:
“نحن لا نحتفل لأننا سعداء، بل لأننا خائفون من الاعتراف أننا لسنا كذلك”في بلد الاحتفال فيه ليس فرحًا…بل آلية دفاع أخيرة
ضد لحظة وعي قد تكون أكثر رعبًا من الجوع نفسه.