عندما يبكي الغرباء على ديكتاتور، ويزغرد شعبه على اعتقاله !

حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

من غرائب السياسة – بل من طرائفها السوداء – أن يخرج الشعب الفنزويلي إلى الشوارع يحتفل باعتقال رئيسه، فيما تُصاب بعض التيارات في بلدان بعيدة بنوبة حداد ثوري، وكأن مادورو ابن خالتهم، أو وصيّهم الشرعي على الضمير الأممي.
هنا فقط، يستعيد المثل المغربي كامل أناقته:
“أهل الميت صبرو، وأصحاب العزا كفرو”، لينطبق عليهم تمتم الانطباق.
الشعب الذي ذاق الجوع، وانهيار العملة، وطوابير الخبز، قال كلمته ورقص، أما “أصدقاء الثورة عن بُعد”، فلبسوا السواد، وراحوا ينددون بـ“اختطاف الشرعية” و“الاستهداف الإمبريالي”، وهم لا يعرفون من كاراكاس سوى اسمها الذي يصلح شعارًا في الوقفات.
وفي طليعة هؤلاء، خرج علينا بيان “ممانِع” فاخر، لم يكتفي صاحبه بالإدانة، بل يوزع أوسمة الشرف، ويشيد بـ“الموقف المشرف للدولة الفنزويلية وقيادتها الشجاعة”، ويقدّم مادورو في صورة تشي غيفارا متأخر، يقاوم الإمبريالية والصهيونية ومشاريع التصفية، رغم أن الرجل لم يكن يقاوم سوى شعبه، ولم يصفِّ إلا اقتصاد بلاده.
بصراحة، ما يحدث هنا ليس موقفًا سياسيًا عابرًا، بل سقوط أخلاقي مكتمل الأركان، وانزلاق أيديولوجي بلا فرامل.
والأكثر إرباكًا – إن لم نقل الأكثر إثارة للشفقة السياسية – أن يخرج حزب مغربي، ما زال يعيش في كهوف الحرب الباردة، مطالبًا المجتمع الدولي بالتحرك العاجل دفاعًا عن “الشرعية والسلم العالمي”، والمقصود طبعًا: الدفاع عن نيكولاس مادورو، والخروج في جنازة الرئيس الذي وشّح زعيم الكيان الوهمي، ودعم البوليساريو سياسيًا ودبلوماسيًا، وتحالف استراتيجيًا مع نظام جزائري لم يخفِ يومًا عداءه لوحدة المغرب الترابية؟
وهنا يحق للمغاربة أن يسألوا: هل نسي هذا الحزب – أم تناسى – أن مادورو كان عدوا معلنا للمملكة المغربية؟
الإشكال ليس في الاختلاف الإيديولوجي ن الإشكال في تغليب الإيديولوجيا على الثوابت الوطنية، وفي الخلط الخطير بين الشعارات الأممية والمصالح العليا للوطن.
إذ كيف لحزب مغربي أن يتحدث باسم “الشرعية الدولية”، وهو يدافع عن نظام استبدادي يعادي وحدة المغرب؟
وأين كانت هذه الغيرة على “السلم العالمي” عندما كان المغرب يتعرض للاستفزازات والمؤامرات؟
ما يجب قوله بوضوح، ودون مساحيق: الوطن ليس مختبرًا أيديولوجيًا ولا ساحة لتجريب الإيديولوجيات المتحفية، ولا منصة لتصفية الحسابات مع القوى الدولية على حساب السيادة الوطنية.
فزمن الشيوعية الراديكالية واللينينية الثورية انتهى مع سقوط جدار برلين، وليس مع بيان حزبي متأخر بثلاثة عقود، والتحرر اليوم يُؤطر بمنطق سوسيو-اقتصادي وجيوسياسي حديث، لا بخطاب ما قبل الإنترنت.
نعم، يمكن الاختلاف مع الولايات المتحدة من حيث المبدأ والقانون الدولي ، لكن حين يتعلق الأمر بمعتوه سياسي، وضع يده في يد بن بطوش وتبون، وارتمى – بلا “حوايج” سيادية – في حضن الكابرانات، فلا بأس من توجيه شكر دبلوماسي لمن أزاح ديكتاتور نفطي فاشل من المشهد.
صحيح أن نزويلا دولة بترولية، لكن حكم العسكر حوّلها إلى واحدة من أفقر دول العالم ، بعد أن تعاقب عليها ثلاثة دكتاتوريين، وآخرهم مادورو، الذي كان يلوّح بعضلاته ضد وحدة المغرب الترابية، ويتحدث عن تقرير المصير، وهو عاجز حتى عن تحصين غرفة نومه.
وللتاريخ، لا للنسيان، نتذكر واقعة دبلوماسية كاشفة وقعت سنة 2010، في قمة إعادة إعمار هايتي، حين حاول وزير خارجية فنزويلا آنذاك – نيكولاس مادورو – منع تلاوة الرسالة الملكية المغربية ، لكن الاتصالات الدبلوماسية الذكية أفشلت المحاولةوتُليت الرسالة أمام أكثر من 130 دولة، من بينهم بان كي مون وبيل كلينتون-كما يحكي الواقعة شفيق، المستشار السابق بديوان الوزير الأول عباس الفاسي.
يومها حاول مادورو إسكات صوت المغرب ، واليوم، يُساق هو خارج المشهد، بينما ظلت الصحراء مغربية كما كانت، وكما ستكون، وبقي بعض ثوار الإيجار وحنين الشعارات “المناضلين تحت الطلب” يعيشون على أصداء شعارات بالية، لم تعد صالحة إلا في ذهنية خفافيش السياسة، أيتام الإيديولوجيات، دائمي الوقفات، محترفي الغضب المؤدى عنه ، الذين خرجوا أو يفكرون في الخروج ، لتقديم صكوك الغفران لنظام جعل من كاراكاس عرّابة للانفصال ، ليدافعوا عن شعب احتفل باعتقال رئيسه، ويدافعوا عن رئيس دمّر اقتصاد بلاده، ويدافعوت عن حكومة دعمت البوليساريو، ويدافعوت عن تحرير الشعوب؟ والقبائل أولى بالدفاع ، ويدافعوا عن الإيديولوجيا؟ الشيوعية والشيعية ، واللتان لا وجود لهما في المغرب… ونحن في غنى عن استيراد أوهام مستعملة، والدفاع عن كل ذلك وغيره بدل الدفاع عن الخارطة المغربية .
ويبقى البيان الذي يحتاجه الحدث هو القول بأن:”قضايا بلدي أولًا وأخيرًا. وعدو عدوي صديقي” حتى لو أصاب من لم يستوعب أن الوطن خط أحمر، وأن السيادة ليست شعارًا في وقفة، بمغص أيديولوجي مزمن ، والذي عليه أن يبحث له عن جغرافيا أخرى… لأن القادم لا يتسع للرماديين ولا لعبّاد الأصنام المنهارة.
حفظ الله المغرب، ملكًا وشعبًا، من طنجة العالية إلى الكويرة الغالية.
أما البقية… فإلى مزبلة التاريخ، حيث لا مكان للشعارات التي انتهت صلاحيتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *