عندما يتحول الماضي إلى ورقة ضغط: الهولوكوست في قلب السياسة الدولية”.

حطاب الساعيد

تعود قضية الهولوكوست اليوم إلى قلب النقاش السياسي الدولي لا بوصفها ملفا تاريخيا مغلقا، بل كأداة ضغط تعيد تشكيل العلاقات بين القوى الكبرى. دونالد ترامب الذي بدأ بالفعل في التلويح بهذا الملف خلال حضوره السياسي، ينظر إلى العدالة التاريخية لضحايا اليهود باعتبارها قضية لا تسقط بالتقادم ، ويمكن توظيفها لإعادة مساءلة دول أوروبية ساهمت أو تواطأت أو صمتت خلال واحدة من أبشع الجرائم في القرن العشرين. هذا التوجه يعيد فتح جراح قديمة في القارة الأوروبية، ويضعها أمام اختبار أخلاقي وسياسي جديد.

أوروبا رغم مرور عقود على نهاية الحرب العالمية الثانية، لا تزال تعاني من ثقل ماضيها. بعض الدول لم تحسم بعد ملفات الاعتراف الكامل أو التعويضات أو المصالحة الرمزية، ما يجعلها عرضة لضغوط متزايدة. في حال تم تفعيل هذا الملف بقوة من قبل واشنطن، فإن القارة العجوز قد تواجه معاناة دبلوماسية واقتصادية حقيقية، حيث يتحول تاريخ الهولوكوست إلى ورقة ضغط دائمة تُستحضر في كل مفاوضة أو خلاف سياسي.

في المقابل تشير المؤشرات إلى أن الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، متجهة بشكل متزايد نحو إفريقيا باعتبارها فضاء مفتوحا للنفوذ والاستثمار والتحالفات الجديدة. هذا التحول قد يترافق مع تراجع تدريجي في الاعتماد على أوروبا كشريك مركزي، خاصة إذا أصبحت القارة عبئا سياسيا وأخلاقيا بسبب ماضيها المرتبط بالهولوكوست. واشنطن قد تستثمر هذا الملف لتبرير فك الارتباط النسبي مع أوروبا، مقابل بناء نفوذ أوسع في إفريقيا.

في هذا السياق يتحول الهولوكوست من مأساة تاريخية إلى عامل فاعل في رسم المستقبل. الدول التي ساهمت أو تواطأت في تلك الجريمة قد تجد نفسها أمام عزلة وضغوط متراكمة، بينما تعيد الولايات المتحدة رسم خريطة نفوذها العالمي وفق منطق المصالح والذاكرة التاريخية معا. أوروبا إن لم تغلق هذا الملف بشكل عادل ونهائي قد تدفع ثمنا سياسيا باهظا في السنوات القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *