عندما يتحوّل الصمت إلى صرخة ضد تزييف الإرادة الشعبية.

حميد طولست

تمهيد:

رشيد الفايق يفجّر “قنبلة انتخابية” كشف من معطيات خطيرة تمسّ جوهر العملية الانتخابية في المغرب.
رغم أن الكثيرين ظنّوا أن ملف رشيد الفايق قد طُوي إلى الأبد بعد دخوله السجن بتهم ثقيلة، إلا أن خرجة الرجل الأخيرة جاءت بمثابة زلزال سياسي من العيار الثقيل، قد تعيد خلط الأوراق لا فقط في فاس، بل في المشهد السياسي المغربي برمّته. أربع سنوات من الصمت داخل الزنزانة، تحوّلت إلى شكاية رسمية موجّهة إلى رئاسة النيابة العامة، تتضمن اتهامات موثّقة حول “تجارة انتخابية” مفضوحة، تورّط فيها مسؤول بارز بولاية فاس وعدد من المرشحين، مقابل رشاوى ضخمة قاربت ثمانية ملايين درهم.
خرجة الفايق ليست مجرّد انتقام أو “صرخة يائس”، كما قد يسارع البعض إلى ترويجها، بل هي إشعار بالخطر الداهم الذي يهدد ما تبقّى من مصداقية العملية الديمقراطية في المغرب، عندما تتحوّل الانتخابات من آلية لتجسيد الإرادة الشعبية، إلى سوق نخاسة سياسية تُباع فيه المقاعد التمثيلية لمن يدفع أكثر.
بحسب ما كشفه الصحافي محمد اليوبي، جاءت الشكاية محمّلة بتفاصيل دقيقة: توزيع للمبالغ، أسماء مرشحين، وتسجيلات يطالب الفايق بإخضاعها للخبرة التقنية. هذه ليست مجرد ادعاءات فضفاضة، بل اتهامات موثقة إن ثبتت صحتها فستصيب شظاياها “الأخضر واليابس” داخل المشهد الحزبي والإداري، وتفتح الباب أمام مساءلة شبكة واسعة من الفساد السياسي والإداري، طالما عاثت في الأرض بلا حسيب ولا رقيب.
رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، محمد الغلوسي، التقط سريعاً خطورة هذه المعطيات، ودعا إلى فتح تحقيق قضائي فوري، مؤكدًا أن الأمر لا يحتمل التلكؤ أو التواطؤ، لأننا أمام جرائم مركبة تمسّ ليس فقط المال العام، بل الثقة العامة ومبدأ تكافؤ الفرص السياسي، وهو ما يهدّد الأسس الهشة للعملية الانتخابية برمّتها.
في حال تم التفاعل مع هذه الشكاية بالجدية المطلوبة، فقد تكون مقدّمة لمحطة فاصلة تعيد الاعتبار للمحاسبة، وتضع حدًا لتغوّل المال الفاسد في الحياة العامة. أما إن تم التعامل معها بصمت رسمي أو تمييع إعلامي، فسنكون قد بصمنا على شهادة وفاة المشروع الديمقراطي الهشّ، وكرّسنا منطق “شراء الديمقراطية بالدراهم”.
خرجة الفايق، بهذا المعنى، لا تخصّ شخصه ولا حزبه فقط، بل هي مرآة تعكس أعطابًا بنيوية في منظومة انتخابية كثيرًا ما تم تجميلها من الخارج، بينما ينخرها الفساد من الداخل. ومن يظن أن الأمر مجرد تصفية حسابات، عليه أن يسأل: لماذا لم يتجرأ أحد من قبل على كشف هذه الأسماء والمبالغ؟ ولماذا لم نسمع عن مساءلة من “اشتروا” تمثيلية الأمة، كما يُساءل من “سرق” قنينة زيت؟
في نهاية المطاف، هذه ليست فقط قصة رجل خرج من زنزانته ليكسر الصمت، بل قصة مجتمع مهدد بفقدان آخر ما تبقى من ثقته في صناديق الاقتراع، ما لم تتحرّك العدالة سريعاً وتضع الأمور في نصابها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *