عندما ينسينا فوز أشبال المغرب السؤال الأهم!

حميد طولست ، كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

ملاحظة :هذه ليست مقالة عن كرة القدم فقط، بل عن العقل المغربي حين يحتفل أكثر مما يُفكّر.
عن بلدٍ يُبدع في النتيجة، ويتعثّر في الاستمرار.
عن فرحةٍ وطنيةٍ صادقة، لكنها ،كالعادة، مهددة بأن تتحوّل إلى “ذكريات مجيدة” بدل أن تصبح مشروعًا دائمًا.
النص :انتهت المباراة النهائية لكأس العالم تحت 20 سنة في سانتياغو، والمغرب يُتوَّج بطلًا. يا سلام!
انفجر الوطن كله فرحًا — من طنجة حتى الكويرة، مرورًا بكل درب فيه “تلفزة”، و”قهوة”، و”مكرفون” مفتوح على آخره.
الأعلام ارتفعت، الزغاريد اشتغلت، والأطفال تفرغوا من دروسهم ليشرحوا لأهلهم معنى “الضغط العالي” و”البلوك المتوسط”.
والكبار؟ الكبار دخلوا في حالة وجدٍ وطني: كل واحد فيهم صار خبيرًا تكتيكيًا يشرح كيف هزمنا أحفاد مارادونا وميسي، وكأنهم هم من اخترعوا خطة اللعب!
أنا أيضًا، لا أنكر، تفرجت بقلبي قبل عيني. عشت كل تمريرة كما لو أنها رحلة عبور جماعي من زمن “الحكرة الكروية” إلى زمن “المغربي يُبدع”.
لكن بعد ما طاحت الحُمى، وجفّ العرق، وسكتت “البنادر”، تسلّل إلى ذهني سؤال صغير، مثل طيف ضمير مزعج:
واش غادي نبقاو نحتافلو؟ ولا نبدلو شوية من طريقتنا في التفكير؟
فكل ما انتصر منتخب مغربي، نحتفل كأننا فتحنا الأندلس، ثم نعود إلى واقعٍ رياضيٍ يُدار بعقلية “دبّر راسك وطلّع النتيجة”.
منظومتنا الرياضية تشبه تلك السيارة القديمة التي لا تُغيّر زيتها أبدًا، لكنها تُغسَل جيدًا قبل أي موكب رسمي!
نحن أبطال العالم في تحويل اللحظة إلى أسطورة، والفرحة إلى مهرجانٍ دائمٍ بلا مضمون.
نُحب النتيجة أكثر مما نحب بناءها.
نُقدّس الهدف، وننسى التمريرة التي صنعته.
كلما فزنا، نسينا أن النصر ليس صدفة بل منظومة.
كلما رفعنا الكأس، خفنا من اليوم الذي نرجع فيه إلى “كأس العرب” في دورة ودّية بشمال إفريقيا.
السؤال اليوم ليس: هل نقدر؟ فالقدرة تبارك الله موجودة، ومجرّبة!
السؤال هو: فين غاديين بهاد القدرة؟
هل سنستثمر في كفاءاتنا الوطنية اللي دارت العجب بإمكانيات محدودة و”نية صافية”؟ ولا سنعود كالعادة إلى فكرة “الخبير الأجنبي” الذي يدخل بالربطة، يخطط بخريطة، ويخرج بجائزة التقاعد السمين؟
يا سادة، الخبير يُستورد، لكن الروح ما عندها طيارة!
وما دام تكوين أجيالنا يعتمد على “البركة”، فسنظل نحتفل بالنتائج أكثر مما نبني الأسباب.
الصناعة الرياضية ليست ملعبًا فقط، بل عقلًا يُفكّر، وإدارةً تُحاسَب، ورؤيةً تُنفَّذ.
أما نحن، فنتقن الاحتفال والفرح الاستراتيجي أكثر مما نتقن التخطيط.
لأنه عندنا في المغرب، نوعٌ فريد من الفرح اسمه الفرح الاستراتيجي.
هو ذاك الفرح الذي نمارسه بحماسٍ وطنيّ مفرط، ثم ننسى بعده لماذا فرحنا أصلًا.
نفرح كما لو أن الكأس نهاية التاريخ، لا بدايته.
نوزّع التهاني، ونعلّق الأعلام على السيارات، وننشر فيديوهات “فرحة الشعب”، ثم نعود بهدوء إلى روتيننا الإداري البطيء، ونقنع أنفسنا أن الأمور بخير طالما فزنا بالمباراة.
الفرح الاستراتيجي عندنا لا يضع خططًا للمستقبل، بل خططًا لليلة أخرى من الزغاريد.
يُجيد خلق الانطباع بالنجاح أكثر مما يُجيد صناعة النجاح نفسه.
هو يشبه المسؤول الذي يلتقط الصورة في الورشة التدريبية ثم يغادر قبل بداية الورشة.
ولذلك، إذا أردنا أن نكون أمة تنتصر فعلًا، فعلينا أن نُفرّق بين الفرح بالنتيجة والعمل لاستدامتها.
فمن يحتفل بلا مشروع، كمن يبني منزله من الألعاب النارية: يضيء السماء لحظة… ثم يتبخّر في الهواء.
ومع ذلك — حتى لا يُقال إننا جاحدون — نرفع القبعة لكل من ساهم في هذا النصر التاريخي: المدرب، الطاقم، الجامعة، واللاعبين الذين جعلونا نُصدّق أن المستحيل كلمة مستوردة أيضًا!
لكن بعد أن تنطفئ الشاشات وتُطوى الأعلام، سيبقى السؤال معلّقًا في سماء سانتياغو: هل سنحوّل النصر إلى ثقافة؟
أم سنتركه، كعادتنا، يتحول إلى فيديو مؤثر على تيك توك بعنوان:
“ذكرياتنا المجيدة قبل أن نرجع للواقع المؤلم”؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *