حميد طولست
بعد سنوات من الصمت والغياب عن المشهد السياسي، خرجت الوزيرة السابقة ياسمينة بادو، عن تحفظها، لتردّ على عبد الإله بنكيران، زعيم حزب العدالة والتنمية، إثر تصريحاته الأخيرة حول “العزوبة” و”الزواج المبكر”، التي اعتُبرت من قبل طيف واسع من الفاعلين انتقاصًا من كرامة المرأة المغربية واستعادةً لخطاب بطريركي تجاوزه الزمن.
ردّ بادو جاء ناعمًا في ظاهره، لكنه مثقل بالمعاني والدلالات، ليطرح تساؤلات كثيرة حول خلفياته وأبعاده:
فهل خرجت فعلاً للدفاع عن المرأة المغربية؟ أم أن الأمر يتعلق بانخراط مبكر في حملة انتخابية تتهيأ ملامحها من الآن؟ أم أن هذه الخروج الإعلامي ليس سوى جولة جديدة في معركة ثأر سياسي، تعود جذورها إلى قضية تهريب الأموال التي فجّرها بنكيران تحت قبة البرلمان، والتي كانت بطلتها الوزيرة السابقة نفسها؟
من النسوية إلى “الانتقائية السياسية” :
ليس جديدًا على بنكيران إثارة الجدل عبر خرجاته الكلامية، التي تجمع بين الطرافة وخطاب التهكم المحافظ. لكن في السياق الراهن، جاءت تصريحاته حول العزوبة، والزواج المبكر، و”انقراض البشرية بسبب عزوف النساء عن الزواج”، لتثير عاصفة انتقادات نسوية ومجتمعية واسعة. في هذا المناخ، بدا ردّ ياسمينة بادو وكأنه صوت نسائي جديد ينضاف إلى هذه الجبهة، لكن فحوى الخطاب وسياقه السياسي يضعفان صدقيته.
ياسمينة بادو لم تكن يومًا صوتًا نسويًا بارزًا، ولم تسجل لها مواقف صارمة في الدفاع عن حقوق النساء أثناء توليها مناصب المسؤولية. ولذلك، فإن استدعاءها المفاجئ لهذه اللغة الآن، بعد سنوات من الغياب، يفتح الباب على تأويلات أخرى تتجاوز البعد الحقوقي إلى ما هو سياسي صِرف.
بنكيران وملف “باريس 8”.. ذاكرة لا تنسى:
الجدير بالذكر أن العلاقة بين بنكيران وبادو ليست عادية. ففي إحدى جلسات البرلمان سنة 2014، فجّر رئيس الحكومة الأسبق ملفًا بالغ الخطورة، يتعلق بتهريب أموال عمومية إلى الخارج، مستهدفًا بشكل غير مباشر الوزيرة السابقة.
وكانت صحيفة فرنسية قد كشفت في مارس 2016 عن فتح القضاء الفرنسي لتحقيق بشأن تحويل مبلغ 910,000 يورو من المغرب لشراء شقتين فاخرتين في المقاطعة الثامنة في باريس. ما أثار الشكوك حول مدى قانونية هذا التحويل، في ظل غياب أي توضيح من مكتب الصرف المغربي.
ورغم اعتراف بادو لاحقًا بعملية الشراء، ومحاولتها التبرير بقولها إنها “ستبيع الشقة وتعيد الأموال”، ظل الملف معلقًا، في غياب أي موقف واضح من القضاء المغربي، ما فسّره البعض بأنه تجسيد لحالة “التحالف مع الفساد” في ظل حكومة العدالة والتنمية نفسها، ووزير العدل حينها مصطفى الرميد، الذي فضّل معارك “عزل القضاة” على مساءلة الكبار.
هل هي حملة انتخابية مبكرة؟:
الشارع السياسي المغربي يعيش اليوم ما يشبه حم الحملة الانتخابية المبكرة، وسط اصطفافات غير معلنة، وحراك محتدم داخل الأحزاب التقليدية. ولذلك فإن خروج وجوه قديمة من “حجرها السياسي” قد لا يكون بريئًا، بل يرتبط بمحاولات إعادة التموقع، سواء داخل الأحزاب أو في المشهد العام.
في هذا السياق، تبدو خرجة ياسمينة بادو وكأنها محاولة لإعادة تموقع داخل حزب الاستقلال، أو تحريك المياه الراكدة داخله، أو حتى إرسال إشارات استعداد للعودة إلى الواجهة عبر بوابة “الدفاع عن المرأة”. لكن يبقى السؤال: هل يقبل المغاربة اليوم بعودة وجوه التصقت في أذهانهم بقضايا تهريب المال العام و”الصفقات السوداء”، مهما تلون خطابها أو تبدّل لسان حالها؟
خاتمة: ذاكرة المغاربة ليست قصيرة:
رغم ما قد توحي به هذه الخرجة من انتصار لكرامة المرأة، فإنها -بالمحصلة- تعيد إلى الأذهان قضية تهريب الأموال، وتثير أسئلة عن ضعف مؤسسات الرقابة والمحاسبة، وفشل القضاء في تتبع ملفات كبرى تفوح منها رائحة الفساد.
لقد سلطت بادو، من حيث لا تدري، الضوء مجددًا على ملفٍ كانت تأمل أن يطويه النسيان، وهو ما يجعل من ردّها على بنكيران –الذي يستحق الرد – فعلًا سياسيًا مرتدًا، إذ أحيا الذاكرة بدل طيّها، وربما يكون قد أعاد فتح جرح لم يلتئم بعد.