فاس ،الإرث الثقافي بين التنشيط والتهميش.

بقلم الاستاذ : حميد طولست

في زمن أصبحت فيه التفاهة عنوانًا بارزًا للمشهد الثقافي في العديد من المدن المغربية، ومن بينها حاضرة العلم والعرفان، مدينة فاس، التي أصبحت اليوم تعاني من تهميش ممنهج لكل مبادرة ثقافية جادة تسعى إلى إعادة الاعتبار لمكانتها التاريخية التي كانت يومًا ما قبلة العلماء والمبدعين ، بينما تُفتح الأبواب على مصراعيها لممارسات ثقافية استهلاكية لا تمتّ إلى جوهرها بصلة.
ما يثير الاستغراب هو صمت المنتخبين، نوابًا ومستشارين وأعضاء المجالس المحلية، أمام هذا التراجع الثقافي الذي يفرض التساؤل المحير : هل للثقافة والفنون الجادة مكان في أجنداتهم، أم أن هناك “فوبيا” خفية تجاه كل ما هو فكري وإبداعي؟ ولماذا لا يتم تشجيع أنشطة استعراضية فارغة المحتوى، ويتم تهميش الفنون الراقية التي تعكس عمق فاس وهويتها الحقيقية؟ أليس من مسؤولية هؤلاء المسؤولين الدفاع عن الإرث الثقافي والفني للمدينة، بدل المساهمة – عن قصد أو دون قصد – في نشر الرداءة وإقصاء المشاريع الثقافية الجادة كقوة ناعمة لا يمكن إنكار دورها المحوري في تنشيط الاقتصاد والسياحة وتحقيق التنمية المستدامة. كما في الكثير من المدن العالمية ، التي تستثمر في الثقافة كقوة ناعمة تعزز مكانة المدن وتجعلها وجهة سياحية قائمة على الموروث الحضاري والإبداع المعاصر. أما في فاس، فيبدو أن الثقافة تُعامل بمنطق “الفرجة العابرة”، حيث تُختزل في مهرجانات استهلاكية ذات طابع احتفالي سطحي،تقتصر مباريات تجويد القرآن-رغم أهميتها- وعمليات الختان، بينما تغيب السياسات الثقافية الجادة القادرة على النهوض بالمدينة ، والتي حان الوقت لكي يراجع مسؤولو الشأن المحلي ، مواقفهم من الثقافة والفن في فاس، فهذه المدينة ليست مجرد مآذن وأسوار، بل هي ذاكرة حية تحتاج لمن يصونها، لا لمن يهملها ويسمح بتفشي تيارات التفاهة التي تفرغها من قيمتها الحضارية. المطلوب اليوم هو فتح نقاش جاد حول السياسات الثقافية، ودعم الفاعلين الثقافيين الجادين، وتشجيع مشاريع تعيد لها المكانة التي كانت عبر التاريخ كمركز إشعاع فكري وإبداعي ومنارة علمية وحضارية، وقلبًا نابضًا للحضارة المغربية، ومفخرةً وطنية بتراثها العريق ورجالاتها العظماء ،فهل يستجيب المنتخبون الذين لم يدخلوا السياسة بحثا عن الريع وقضاء المصالح الخاصة لهذا النداء، ؟ففاس اليوم لا تحتاج إلى شعارات جوفاء أو وعود انتخابية كاذبة، بل تحتاج إلى ثورة حقيقية على الفساد والمفسدين، تحتاج إلى نخب سياسية نزيهة تحمل مشروعًا جادًا لإنقاذ المدينة، وإعادة الاعتبار لها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *