فاس ليست مدينة فقيرة ثقافيًا ، بل مدينة فقيرة إداريًا في التعامل مع ثقافتها. أو حين تتحول الذاكرة الفاسية إلى مشروع “تجميلي” موسمي…

حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.

في فاس، لا شيء يموت ، كل شيء فقط يدخل في “فترة ترميم”.
الذاكرة تُرمَّم، التاريخ يُرمَّم، حتى الإهمال نفسه يتم ترميمه كل بضع سنوات، ثم يُعاد افتتاحه رسميًا بشريط أحمر، وعدسات كاميرات، وتصفيق مدروس بعناية.
آخر حلقات هذا “الترميم الدوري” كانت ساحة بوجلود ، حيث قررت السلطات إعادة إحياء “الحلقة”، وكأنها تكتشف فجأة أن فاس كانت، يومًا ما، مدينة تعيش على نبض الحكاية، لا على صدى البيانات الرسمية.
لكن المشكلة في فاس ليست أن “الحلقة” اختفت ، المشكلة أن من اختفوا هم الذين كانوا يفهمون معنى الحلقة.
ساحة بوجلود ، من فضاء الذاكرة إلى فضاء “الإنجازات المصوّرة” ساحة بوجلود لم تكن يومًا مجرد مساحة إسفلتية أو بلاط مزخرف ، لقد كانت جامعة شعبية مفتوحة، بلا أسوار ولا رسوم تسجيل: الحكواتي يدرّس التاريخ بطريقته الخاصة ، والموسيقي الشعبي يقدّم درسًا في الهوية ، والمشاهد البسيط يتخرج بشهادة غير مكتوبة: “فاسي بالفطرة” .
اليوم، نخشى أن تتحول الحلقة إلى عرض فولكلوري معقّم ، يبدأ بموعد إداري وينتهي بمحضر رسمي، ويُدار ببرنامج Excel بدل النبض الشعبي ، لأننا في زمن أصبحت فيه “الروح” تحتاج إلى ترخيص إداري.
المشكل ليس في الفكرة التي لسنا ضدها ، بل في عقلية “نفعل شيئًا كي نقول إننا فعلنا”
في فاس، كل شيء يبدأ من الأعلى ، والأعلى، حيث عادة ما تُتخذ القرارات من المكاتب المكيفة البعيدو جدًا عن أرض الحلقة ، ثم تُسقط على مدينة عمرها أكثر من 12 قرنًا وكأن فاس مشروع عقاري جديد في ضواحي مدينة حديثة.
لا تشاور حقيقي ن لا إشراك لأبناء المدينة، ولا حتى فضول لسماع من عاشوا الحلقة قبل أن تتحول إلى “فكرة تنموية” ، وكأن المسؤولين يخشون شيئًا واحدًا فقط: أن يكتشفوا أن أبناء فاس يفهمون فاس أكثر منهم.
فاس ، مدينة لا تحتاج إلى ترميم بل إلى من لا يرممها أكثر من اللازم ، والمفارقة أن فاس ليست مدينة فقيرة ثقافيًا ، بل مدينة فقيرة إداريًا في التعامل مع ثقافتها.
فاس تملك:
أقدم جامعة في العالم
أعرق مدينة عتيقة
تراثًا موسيقيًا عالميًا
فضاءات تاريخية لا تُحصى
لكنها، في المقابل، تُدار أحيانًا بمنطق “التزيين السريع قبل الزيارة الرسمية” ، وكأن فاس أصبحت: مدينة عتيقة بقرارات حديثة ، لكن بعقلية مؤقتة.
“ماذا لو استمعتم لنا؟” سؤال يبدو بسيطًا لكنه صعب إداريًا
فكرة إشراك أبناء المدينة تبدو منطقية ، لكنها، في بعض الإدارات، تُعتبر خطوة ثورية ، لأن الاستماع للناس قد يؤدي إلى: أفكار جديدة ، نقد صريح ،مقترحات غير مريحة ، وهذا أخطر ما ترك الحلقة تموت ببطء.
ففي النهاية، “المبادرة المتواضعة” أسهل من “الرؤية الحقيقية” والصورة التذكارية أسهل من التنمية.
فاس لا ينقصها التاريخ ، بل ينقصها فقط من لا يخاف من التاريخ.
لو نزل المسؤولون فعلًا إلى ساحة بوجلود بدون بروتوكول
، وبدون كاميرات ،وبدون خطاب جاهز، قد يكتشفون شيئًا صادمًا هو ان: فاس لا تحتاج لمن “يعيد إحياءها” وتحتاج فقط لمن يتوقف عن قتل روحها تدريجيًا.
والرسالة الساخرة الجدية: فاس ليست مشروعًا موسميًا، ولا ساحة بوجلود ديكورًا سياحيًا ، ولا الحلقة فقرة في برنامج تنموي.
فاس ذاكرة حية ، مشكلتها، أن الذاكرة لا تُرمَّم بالإسفلت ، ولا تُعاد بالبلاغات الرسمية ، ولا تُحيى بالصور التذكارية.
فاس تحتاج شيئًا بسيطًا جدًا ،وهو، للأسف، الأصعب: أن تُحترم.
لأن المدن تموت حين تُهمل ، لكن فاس تموت أكثر حين يُعاد إحياؤها بطريقة لا تشبهها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *