فاس … محاضرة في موضوع : بين باسكول وعبد الله حمودي ، النقد الثقافي واجتهادات في بناء علوم اجتماعية عربية

في إطار الشراكة بين مركز بول باسكون للبحوث السوسيولوجية ومختبر السوسيولوجيا وعلم النفس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، نظمت يوم  الجمعة 13 دجنبر2024 بقاعة با حنيني بكلية الاداب والعلوم الانسانية ظهر المهراز محاضرة علمية قدمها المفكر وعالم الأنثروبولوجيا عبد الله حمودي في حضور عدد من الأساتذة و الطلبة الباحثين، تناول موضوعاً مهماً يتصل بنقد الواقع الراهن للعلوم الاجتماعية في المغرب، بالإضافة إلى استعراض التحديات التي تواجهها في مواجهة التحولات الاجتماعية الكبرى.

و في تصريح له، قال صلاح الدين لعريني، الأستاذ الباحث ورئيس مركز بول باسكون للبحوث السوسيولوجية، إن المحاضرة تأتي في سياق مشروع فكري يتبناه عبد الله حمودي، الذي يعتبر من أبرز المفكرين المغاربة على المستوى الدولي. موضحا أن حمودي يقدم اليوم اجتهادات نظرية تهدف إلى إعادة النظر في واقع العلوم الاجتماعية، وذلك في ظل التحولات الاجتماعية السريعة التي يشهدها المجتمع المغربي.

وأضاف أن الهدف من هذه المحاضرة ليس فقط فتح نقاش علمي مع المفكر عبد الله حمودي حول مشروعه النقدي، بل أيضاً إتاحة الفرصة للطلبة والباحثين الشباب، خصوصاً في سلكي الماستر والدكتوراه، للاستفادة من التجربة البحثية اللامعة لعبد الله حمودي. وأكد على أن هذا النوع من اللقاءات يمثل فرصة قيمة للتعرف على المسار المتفرد الذي شقه حمودي في إنتاج المعرفة العلمية النقدية على المستوى العالمي.

من جانبه، استعرض عبد الله حمودي في محاضرته أهم القضايا التي تواجه العلوم الاجتماعية في المغرب، مؤكداً ضرورة إعادة النظر في المنهجيات والتوجهات التي يتم اتباعها في هذا المجال. وأشار إلى أن التحديات التي تواجهها العلوم الاجتماعية ليست مجرد قضايا أكاديمية، بل هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يشهدها المجتمع المغربي.

كما تناول حمودي في محاضرته تأثير هذه التحولات على الفئات الاجتماعية المختلفة، خصوصاً في ظل ما تشهده البلاد من تغييرات اقتصادية وثقافية. وأوضح أن هناك حاجة ماسة إلى تطوير الأساليب البحثية التي يمكن أن تساهم في فهم أعمق للتحديات التي تواجه المجتمع، بالإضافة إلى بناء معرفة علمية اجتماعية قادرة على مواكبة هذه التحولات.

كما قدم الدكتور محمد عبابو، مداخلة متميزة  تناول خلالها موضوعًا بالغ الأهمية يتعلق بتجديد المنهجية السوسيولوجية لتجاوز الثنائيات التقليدية في الفكر السوسيولوجي، مثل ثنائية “التقليد والحداثة”. هذه الثنائية، التي هيمنت على الدراسات السوسيولوجية في العالم العربي لعقود، تُختزل فيها المجتمعات العربية والإسلامية في قالب تقليدي بعيد عن الحداثة، مما أثر بشكل كبير على طريقة فهم المجتمعات ومشاكلها. ومن هنا، أكد عبابو في كلمته على أن الوقت قد حان لتجاوز هذه النظرة الأحادية نحو تفكير أكثر انفتاحًا ومرونة، يعكس التنوع المجتمعي والمعرفي.

وفي هذا السياق، شدد عبابو على ضرورة إعادة قراءة التراث السوسيولوجي العربي والمغربي، معتبرا أن الفهم الصحيح لهذا التراث لا يكون من خلال إعادة إنتاجه، بل من خلال تجديده بما يتلاءم مع التحولات المجتمعية الحالية. فقد أشار إلى أن الأسس التي وضعها بول باسكون في بداية انطلاق السوسيولوجيا المغربية لا تزال تشكل حجر الزاوية، حيث اعتمد باسكون على المنهج الميداني والتحقيق الميداني كأداة أساسية لاختبار الفرضيات العلمية. وبحسب عبابو، يعتبر الميدان، بما يحمله من تجارب حية، هو المجال الذي يبني عليه الباحث معرفته العلمية، مما يجعل من العمل الميداني حجر الزاوية في أي دراسة سوسيولوجية.

وفي حديثه عن المنهجية السوسيولوجية، أشار عبابو إلى أهمية تجاوز الثنائية الموروثة التي كانت تقسم المجتمعات العربية إلى تقليدية وأخرى حديثة، وهو ما يحد من قدرة السوسيولوجيا على فهم واقع هذه المجتمعات وتطوراتها. وأوضح أن السوسيولوجيا المعاصرة بحاجة إلى تفكير أكثر استقلالية، يتجاوز التصورات النمطية التي تصف المجتمعات العربية بأنها “متخلفة” أو “غير قادرة على التكيف مع الحداثة”. وتبقى هذه الرؤية المحدودة عائقًا أمام تطوير الفهم العلمي للواقع الاجتماعي في المنطقة.

كما تحدث عبابو عن أهمية المنهج الإثنوغرافي، الذي يسعى إلى دراسة الحياة اليومية للأفراد من خلال التفاعل المباشر مع الواقع. وهو منهج يسهم بشكل كبير في تعميق الفهم للأنماط الاجتماعية والثقافية التي تشكل المجتمع. واعتبر أن هذا المنهج هو الأداة الأكثر فعالية لفهم الظواهر الاجتماعية في عمقها، بعيدًا عن التصورات المسبقة أو التفسيرات السطحية.

خلال مداخلته، شدد عبابو على أن تجديد المنهجية السوسيولوجية لا يتعلق فقط بتطوير أدوات البحث، بل هو ضرورة علمية لتقديم حلول واقعية للمشكلات الاجتماعية التي تواجهها المجتمعات العربية. وأكد أن المعرفة السوسيولوجية يجب أن تظل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالواقع الاجتماعي، وأن الباحثين ينبغي عليهم النظر إلى ميدانهم كحقل حيوي وخصب يتيح لهم صياغة فرضيات علمية جديدة تسهم في فهم أعمق للتحديات المجتمعية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *