حميد طولست.
كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
في جلسة هادئة بإحدى مقاهي “مارينا مالقا”، جمعتني الصدفة مع مهاجر مغربي قديم، من مدينة فاس التي هاجرها منذ سنوات طويلة، لكن قلبه ظل معلّقاً بأسوارها العتيقة وأزقتها الضيقة ن لم نحتج وقتاً طويلاً حتى انتقل الحديث، كما يحدث دائماً، من الغربة إلى الوطن، ومن الوطن إلى فاس المدينة التي لا تُذكر إلا ويُستحضر ماضيها المجيد، وكأن الحاضر لا يستحق حتى التعليق.
سألني جليسي، وقد لمعت عيناه بشيء من الحنين:”واش بصح ساحة بوجلود غادي ترجع كيف كانت وترجع لفاس الرونق ديالها لقديم؟” ثم، وكأنه استعاد درساً تاريخياً كاملاً، بدأ يسرد أرقاماً مذهلة، كانت فاس، حسب روايته، تزخر بها كأول مدينة صناعية في العالم، قبل أن تعرف أوروبا معنى الثورة الصناعية بقرون: آلاف من مصانع للنسيج ،عشرات مصانع الصابون ، مئات معامل الورق ، مئات المكتبات، مصانع للحديد والزجاج، وحتى صناعة السفن .
كان الحنين واضحاً في صوته، لكن شيئاً ما في كلامه جعلني أبتسم. ليس لأن الأرقام مبالغ فيها فحسب، بل لأننا نحن المغاربة نملك قدرة عجيبة على تحويل الماضي إلى وسادة مريحة ننام عليها كلما أرهقنا الحاضر.
لكن فجأة، توقّف الرجل، وتنهّد بعمق، ثم قال العبارة المغربية الشهيرة: “الله يبهدل اللي بهدلها.”
صمتٌ قصير، ثم نظرت إليه وسألته سؤالاً بسيطاً: “وما الذي حدث حتى وصلت فاس إلى هذا الحال؟”.
كنت أنتظر جواباً عقلانياً: حديثاً عن سوء التدبير ، حديثا عن غياب التخطيط ، حديثا عن فساد السياسات ،ن حديثا عن تهميش الاستثمار ، حديثا عن مسؤوليات واضحة.
لكن الجواب جاء مفاجئاً ، بل صادماً ، حيث قال بنبرة أقرب إلى التسليم: “راه هاد الشي ابتلاء، لأنه بقال : “إذا أحب الله عبداً ابتلاه.”
وهنا فقط، أدركت أننا نحن المغاربة لا نواجه أزمة تدبير، بل أزمة تفسير.
فحين تتحول الأزمات إلى “ابتلاء”، يصبح الفشل قدراً، والعجز حكمة، والفساد امتحاناً إلهياً لا يجوز الاعتراض عليه ، وحين يصبح التخلف “محبة من الله”، يتحول الإصلاح إلى نوع من سوء الأدب مع القدر!
وبهذا المنطق المقلوب، يصبح انهيار الاقتصاد علامة قرب ، وتراجع التعليم اختباراً روحياً ، واستشراء الفساد دليلاً على الاصطفاء الإلهي! بل أكثر من ذلك ، كلما ازداد التدهور، ازداد الشعور بالاطمئنان، لأننا — حسب هذه الفلسفة العجيبة — نزداد “محبة” عند الله!
وهكذا تتحول السياسة إلى خرافة ، والتدبير إلى دعاء ، والبرامج التنموية إلى خطب وعظية، وتصبح المجالس المنتخبة أشبه بحلقات للذكر، بدل أن تكون مؤسسات للتخطيط والتدبير.
وحسب هذا المنطق، لا أحد مسؤول ، لا المنتخب، ولا رجل السسلطة ، ولا صاحب القرار، فالكل مجرد ضحية “الابتلاء”.
وهكذا تُغسل الأيدي من كل فشل ، ويُدفن السؤال الحقيقي:
من قرر؟ ومن خطط؟ ومن أهمل؟ ومن بدد الفرص؟ وبدل ذلك، يُستدعى التفسير الجاهز: كل ذلك ابتلاء.”
والنتيجة؟ مدينة كانت يوماً منارة صناعية وثقافية ، وأصبحت تنتظر اليوم فقط إعادة تأهيل ساحة ، وكأن التاريخ يمكن ترميمه بالإسفلت ، أو كأن المجد يعود بإعادة طلاء الجدران…
بينما الحقيقة المؤلمة ، أن المدن لا تتخلف بسبب “الابتلاء”، بل بسبب سوء التدبير ، ولا تنهض بالدعاء وحده، بل بالإرادة والشفافية والمحاسبة.
أما حين تتحول الخرافة إلى سياسة ،، فإن أول ضحاياها ليس فقط مدينة فاس ، بل المواطن ، والعقل ، والمستقبل.