في خطوة حاسمة، قرر وزير التعليم العالي عز الدين ميداوي إعفاء رئيس جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، د. محمد العربي كركب، من مهامه، بعد الجدل الواسع الذي أثاره حفل تخرج نظمته المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، تخللته عروض فنية شعبية وأداء “الشيخات”، في مشهد وثقته الفيديوهات وانتشر كالنار في الهشيم.
وراء هذه الواقعة السطحية، تتوارى قصة أعمق عن موقع الجامعة المغربية اليوم: بين رسالتها العلمية والأخلاقية، وضغوط “التسويق الاجتماعي” واللهاث خلف صور احتفالية تجذب الانتباه على حساب الهيبة العلمية.
ما الذي حدث بالضبط؟
نظم الحفل كأنه عرض فني تجاري، بمشاركة الفنان عبد الله الداودي، وفرقة نسائية استعراضية أدت فقرات راقصة.
حضر عدد من المسؤولين الجامعيين، ما أضفى على المشهد طابعًا رسميًا زاد من حدة ردود الفعل.
لجنة وزارية حلت بالمؤسسة ورفعت تقريرًا مفصلًا، خلُص إلى أن رئيس الجامعة أخلّ بمسؤوليته في الحفاظ على حرمة المؤسسة وهيبتها.
لكن الإعفاء لم يكن بسبب “الشيخات” فقط!
مصادر متعددة كشفت عن:
اختلالات إدارية ومالية في تدبير صفقات تقنية، أبرزها صفقة شراء نظام معلوماتي من شركة مرتبطة برئيس جامعة سابق، بتكلفة مشبوهة تجاوزت 150 مليون سنتيم.
شكاوى من داخل الجامعة حول توتر العلاقات بين الإدارة والعمداء، وتراجع الجو المهني، ما أدى إلى تآكل الثقة الداخلية.
تراكم الأخطاء في التسيير وليس فقط هفوة فنية ظرفية.
ما الدرس؟
1. الجامعة ليست قاعة أفراح: حفلات التخرج يجب أن تُصمم بروح أكاديمية راقية، تراعي رمزية المناسبة ولا تُختزل في “شو” فني لإرضاء الذوق العام.
2. الهيبة تُبنى ولا تُستورد: لا يمكن للمؤسسات أن تطالب بالاحترام إذا كانت أول من يفرّط في رمزيتها.
3. الرقابة حاضرة: ولأول مرة منذ سنوات، نشهد قرار إعفاء بهذا الحجم، بناءً على تقرير ميداني وبلغة صريحة: “المساءلة فوق الجميع”.
القضية أكبر من مجرد “الشيخات”. إنها تتعلق برؤية عميقة لمستقبل الجامعة المغربية: هل سنكتفي بواجهة الحداثة الشكلية، أم سنعيد الاعتبار لدور الجامعة كمؤسسة معرفية، حاملة للقيم ومُنتجة للنخبة؟
القرار رسالة واضحة: لا تهاون بعد اليوم مع من يُفرّط في صورة الجامعة. ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل كان هذا الإعفاء بداية نهج إصلاحي فعلي في منظومة التعليم العالي؟ أم مجرد رد فعل ظرفي لإخماد غضب الرأي العام؟