حميد طولست ،كاتب ساخر وناقد اجتماعي.
يا للعجب! العرب واليهود أبناء عمومة — لكن يبدو أن أحدهم ورث عن إبراهيم الحكمة، والآخر ورث عن نمرود العناد!
كمية الحقد التي يحملها بعض العرب تجاه اليهود تصلح لتوليد كهرباء تكفي لإضاءة قارة بأكملها.
حقدٌ غريب الأطوار، لا يفهمه المنطق، ولا تفسّره الجغرافيا، لكنه يعيش ويتغذّى على وجبات إعلامية دسمة، طبخها طباخو الشعارات منذ الخمسينيات، وما زالوا يبيعونها اليوم بنفس النكهة الفاسدة.
تجد الواحد منهم يصيح بأعلى صوته: “لا للتطبيع!” وهو في الوقت نفسه ينتظر بفارغ الصبر دورته السياحية القادمة في دبي أو إسطنبول أو باريس، وكأن المقاطعة عنده اختيار انتقائي مثل الصيام بعد الفطور!
والمسكين لا يدري – أو يتناسى – أن المغرب لم يكن يومًا في صفّ المتآمرين، بل في صفّ الباقين على قيد الكرامة.
حين اجتمعت عليه جوقة “العربان” في حرب الرمال، وحين جاءه عدوان الجزائر المدعوم بمصر عبد الناصر وسوريا الأسد وليبيا القذافي، لم نسمع صوت “الأشقاء”. بل سمعنا دويّ المدافع والاتهامات، ورأينا جورج حبش نفسه يوزّع الحقد في مخيمات تندوف، يدرّب الميليشيات ويحرّضها وكأن تحرير الصحراء طريقٌ إلى القدس!
ستة عشر عامًا من الدم والدموع، من 1975 إلى 1991، والمغرب يقاتل وحيدًا.
جدار رمليّ ارتفع في وجه الريح والغدر، تحرسه العيون الساهرة – بعضها مغربية، وبعضها… إلكترونية من تل أبيب! نعم، تلك الرادارات التي لا تنام، لأن الحقد لا ينام.
لكن، سبحان من قال: “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.”
اجتمعوا علينا كالضباع على الأسد، فكان نصيبهم كالعادة… العواء!
واليوم، بعد أن تجاوز المغرب كل مؤامراتهم، وأثبت أن الذكاء الدبلوماسي ليس شعارًا بل جيناتٍ مغربية خالصة، يخرج علينا من جديد حفّارو الماضي ليتهموا المغرب بـ”الخيانة”!
خيانة ماذا بالضبط؟ خيانة “جامعة الدول النائمة”؟ أم خيانة “وحدة العرب” التي تفرّقت أيدي سبأ منذ عقود؟
بل حتى أولئك الذين يرفعون رايات الدين ينسون أن النفاق لا يُغسل بالخطابات ولا بالتكبيرات التلفزيونية.
تحيا الصداقة المغربية الإسرائيلية، نعم، لأنها صداقة مبنية على المصالح، لا على القصائد.
تحيا لأنها جسر للمستقبل، لا نفق مظلم من الماضي.
تحيا لأنها من ثمار عقلٍ ملكيٍّ يعرف متى يصافح ومتى يصفع، متى يصبر ومتى يدهش العالم.
وقد صدق العطيم الحسن الثاني رحمه الله حين قال: “أريد أن يعرف العالم مع من حشرنا الله.”
وها قد عرفهم العالم، من المحيط إلى الخليج: عرف: من هم أهل الغدر، ومن هم أصحاب الصبر، من يرفعون الشعارات، ومن يرفعون الأوطان.أما نحن، أبناء المغرب، فنكتفي بابتسامة ساخرة ونحن نردد:
“اللهم احفظ لنا ملكنا محمد السادس، وامنح إخوتنا العرب ذاكرة أطول من نشرات الأخبار.”
ولنختمها كما نحبّ دائمًا:
الله، الوطن، الملك… والبقية، في قائمة الانتظار.