حميد طولست
برحيل الفنان الكبير عبد الهادي بلخياط، الذي وافته المنية بالرباط عن عمر ناهز 85 سنة، يفقد المغرب صوتًا استثنائيًا، وضميرًا فنيًا نادرًا، ورجلًا عاش الفن رسالةً، والحياة وقارًا، والاختيار مسؤولية.
لم يكن عبد الهادي بلخياط مجرد مطرب ذائع الصيت، بل كان مدرسة قائمة بذاتها في الرقي الفني، ونظافة الكلمة، وسمو الإحساس. صوته، الذي عرفه المغاربة والعرب منذ ستينيات القرن الماضي، حمل إلينا أغانٍ خالدة سكنت الوجدان الجماعي، من قبيل”المنفرجة”و “القمر الأحمر” و”قطار الحياة” ، أعمال لم تكن مجرد ألحان، بل محطات وجدانية رافقت أفراح الناس وأحزانهم، وعبّرت عن الإنسان المغربي في صدقه وبساطته وعمقه.
تميّز الراحل بأسلوب غنائي فريد، جمع بين قوة الأداء، وبلاغة النص، وثراء المقام، دون صخب أو ابتذال. كان فنانًا يفرض احترامه بصوته قبل حضوره، وبأخلاقه قبل شهرته. وحين اختار، في مرحلة لاحقة من حياته، أن يبتعد عن الأضواء ويتفرغ للإنشاد والتأمل الروحي، فعل ذلك في صمت الكبار، مؤكدًا أن الفن عنده كان دائمًا فعلَ قناعة لا تجارة، ومسارَ قيم لا استعراض.
على امتداد خمسةٍ وثمانين عامًا، عاش عبد الهادي بلخياط حياةً حافلة بالعطاء، وترك إرثًا فنيًا وإنسانيًا سيظل حيًا في الذاكرة الوطنية، ومرجعًا لكل من يؤمن بأن الفن يمكن أن يكون نظيفًا، عميقًا، ومؤثرًا دون أن يساوم على كرامته.
رحم الله عبد الهادي بلخياط رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه من جمال صادق في ميزان حسناته.
خالص التعازي والمواساة لأسرته، ولمحبيه، وللأسرة الفنية المغربية قاطبة.
وداعًا أيها الصوت الذي علّمنا أن السمو ممكن… وأن الخلود يُصنع بهدوء.